من الخرطوم إلى العالم: ثقافة الشتات.. حين تصبح المنافي (رئة) بديلة للهوية السودانية (3)

صحيفة الهدف

تقرير: عبد المنعم مختار

منذ أن قذفت أمواج الح.رب بالمثقفين والمبدعين السودانيين نحو تخوم الجغرافيا القصية، لم يعد السؤال الثقافي محبوساً في خانة النجاة الفردية أو التكيّف الآني، بل تجاوز ذلك نحو مراجعة جذرية للدور والوظيفة والمعنى. فالمنافي، التي بدت في وهلتها الأولى فراغاً موحشاً وقاسياً، سرعان ما استُحيلت إلى فضاءات لإنتاج رمزي كثيف؛ أعادت عبره الثقافة السودانية ترتيب صفوفها، لا بصفتها بديلاً مؤقتاً عن الوطن، بل بوصفها امتداداً حياً وواعياً له، وسردية مقاومة باسلة تحرس شتات الذاكرة وتشتبك بضراوة مع أسئلة الهوية، الحرية، والمستقبل.

وفي هذا السياق، تتقاطع رؤى نخبة من الفاعلين الثقافيين لتؤكد أن الزخم المشهود اليوم ليس مجرد انفجار عفوي فرضته ظروف الح.رب القسرية، بل هو الثمرة الناضجة لتراكم تاريخي طويل من الفعل الثقافي السوداني، وقدرته الفذة على التحور وإعادة التشكّل في أحلك الظروف.

قدرة المبدع على الابتكار

يرى الشاعر والروائي حسن بكري أن الحراك الثقافي السوداني في دول الشتات يمثل حالة من التطور والانتقال المتزامن؛ فهو لا ينفصم عن “الخرطوم” كفكرة وروح متقدة، بقدر ما يتحرر من أصفاد مركزيتها الجغرافية. ويذهب بكري إلى أن الح.رب، برغم فظاعتها، فشلت في كسر العمود الفقري للفعل الثقافي، بل إنها كسرت احتكاره المكاني، لتُعاد صياغته في فضاءات كوكبية متعددة؛ حيث تشرع الخرطوم في تعريف نفسها مجدداً وسط المنافي، وتُقدّم المشروع الثقافي السوداني للعالم كقوة ناعمة عابرة للحدود. ويشدد على أن هذا الحراك لم يعد استجابة اضطرارية لمأساة اللجوء، بل صار تحولاً نوعياً يفتح الثقافة السودانية على منصات عالمية وشبكات تضامن كونية، تمنح السودان حضوراً جمالياً وسردياً يتجاوز المحلية دون التفريط في الجذور.

الثقافة طاقة مقاومة

من جانبه، يؤكد الفنان والملحن علاء سنهوري أن الثقافة هي طاقة كونية لا تفنى، بل تتجلى في أشكال وأمكنة جديدة؛ فالح.رب لم تنجح في إطفاء شعلة الفعل الإبداعي الذي تبلور في أتون الثورة، بل شتتت فاعليه ليعاودوا التجمع في “موجات ابتكارية” عبر المنافي. ويرى سنهوري أن هذا الانتقال حوّل الثقافة إلى فعل مقاومة واعٍ بامتياز، استمد خبرته من سنوات الكبت الطويلة، لينتج خطابات جمالية وفكرية تتوائم مع جغرافيا الشتات، وتجابه أسئلة الح.رب الوجودية دون انسلاخ عن المنبع الأصيل.

المنفى رئة اللاجئ السوداني

ومن فضاء القاهرة، يصف الكاتب والناشر في بلاد الاغتراب بأنه “الرئة الحقيقية التي يتنفس عبرها اللاجئ السوداني”، موضحاً أن المنفى منح المبدع هامشاً غير مسبوق من حرية التعبير والانفتاح على آفاق جغرافية ومعرفية جديدة. ويؤمن النعمان بأن هذا الحراك لم يكتفِ بحماية الهوية من التآكل، بل أحدث نهوضاً حضارياً يواجه القبح والدمار بسلاح الجمال والقيم الإنسانية، مقدماً للعالم صورة المبدع السوداني كإنسان شغوف بالحرية والسلام، بل ومتفوقاً في كثير من الأحيان بفعله الثقافي على السائد المحلي في بلدان اللجوء.

الغربة الثقافية

وفي قراءة مغايرة، تتناول رائدة مسرح العرائس سمية الطيب هذا النشاط بوصفه استجابة عميقة لحالة “الغربة الثقافية” التي تعصف بالمثقف بين فكّي الاستقرار المفقود والشتات المفروض. وتعتبر الطيب أن الفعل الثقافي هو محاولة واعية لترميم الهوية، ولملمة شظايا الوعي الجمعي، والارتكاز الصلب على الذاكرة الثقافية كحصن أخير إلى حين العودة، لضمان عدم تبدد الانتماء في مسالك اللجوء الوعرة.

الإبداع السوداني يتوهج في العتمة

ومن الدوحة، يقطع الشاعر د. عبد العظيم أكول بأن الإبداع السوداني يملك خاصية التوهج التاريخي في العتمة، مستشهداً بتجارب المهجر العظيمة التي أهدت الأدب العالمي نصوصاً خالدة. ويجزم أكول بأن الزخم الحالي هو تجلي لوعي إبداعي مستدام وضارب الجذور، وليس مجرد رد فعل لظروف ظرفية عابرة.

الخرطوم رمز ثقافي متنقّل

ويتوافق مع هذا الطرح الصحفي محمد الأسباط، الذي يرى أن شعار “الخرطوم تقرأ” قد تحول من مدينة محاصرة بالدخان إلى رمز ثقافي سيّار، يجوب العالم بذاكرته وأسئلته القلقة. ويرى الأسباط أن استمرارية هذا الإشعاع تكمن في ضرورة مأسسة هذه المبادرات الفردية وتحويلها إلى مشاريع ثقافية جماعية صلبة وبعيدة المدى.

سودان المنافي: هوية موازية تحرس الذاكرة

في الختام، يتضح أن ملامح “سودان موازٍ” بدأت تتخلق في المنافي؛ لا ليكون بديلاً عن الوطن الأم، بل ليكون رئته المشرعة على هواء العالم، وضمانته الكبرى ضد ذوبان الهوية أو انكسار الذاكرة، مهما بلغت شراسة عواصف الح.رب والشتات.

#ملف_الهدف_الثقافي #ثقافة_الشتات #السودان #المنافي #هوية #مقاومة_ثقافية #إبداع_سوداني #الخرطوم #عبد_المنعم_مختار

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.