كلمة العدد: الاقتصاد بين السيادة والتبعية.. قراءة في مأزق السودان والعالم العربي

صحيفة الهدف

لم يعد الاقتصاد شأنًا تقنيًا يُدار بالأرقام والجداول وحدها، بل غدا التعبير الأوضح عن ميزان القوة في العالم، وعن موقع الشعوب بين الإنتاج والتبعية، وبين السيادة والهشاشة. فالأزمات الاقتصادية التي تعصف بالسودان اليوم لا يمكن فصلها عن مأزق عربي أوسع، ولا عن نظام عالمي يعيد توزيع الخسائر على الأطراف، بينما يحتكر المركز أدوات القرار والثروة، ويعيد تعريف “الاستقرار” بما يخدم مصالحه لا حاجات الشعوب.

في السودان، كما في عموم الوطن العربي، تكشّفت الأزمة لا بوصفها نقصًا في الموارد، بل خللًا بنيويًا في وظيفة الدولة الاقتصادية ذاتها. دول غنية بلا تنمية، وأخرى فقيرة رغم وفرة الإمكانات، محكومة بمنطق الريع لا الإنتاج، وباقتصاد يعيش على الفائض السهل لا على العمل والقيمة المضافة. تحوّل الاقتصاد من أداة لبناء المجتمع وتوسيع فرص العيش الكريم، إلى ساحة مفتوحة للاحتكار والنهب وتمويل الحـ.رب.

وعالميًا، فإن ما يُقدَّم بوصفه “سوقًا حرة” لم يكن يومًا حياديًا أو عادلًا. اهتزاز النظام الاقتصادي الدولي، وتفكك سلاسل الإمداد، وصعود الحمائية، تكشف جميعها عن منظومة تُدار بالقوة، وتُعاد صياغتها كلما هُدِّدت مصالح الكبار. وهنا يتحول السؤال الاقتصادي إلى سؤال سياسي وأخلاقي في آنٍ واحد: كيف تحمي الدول سيادتها الاقتصادية؟ وكيف يُعاد الاعتبار للعمل والإنتاج والعدالة بوصفها شروط الاستقرار الحقيقي، لا مجرد شعارات تُرفع في زمن الأزمات؟

من هذا الأفق يأتي هذا الملحق؛ لا ليصف الأزمة بوصفها قدرًا، بل ليقرأ جذورها، ويقارب إمكانات الخروج منها، انطلاقًا من أن الاقتصاد، حين ينفصل عن الإنسان، يتحول إلى عبء، وحين يُستعاد بوصفه فعلًا سياديًا، يصبح شرطًا للتحرر والنهوض.

ومن منظور قومي تقدّمي، لا يمكن فصل المسألة الاقتصادية عن سؤال السيادة والحرية. فالتنمية، في معناها العميق، ليست نموًا حسابيًا مجرّدًا، بل إعادة تنظيم شاملة لعلاقة العمل بالثروة، ولعلاقة الدولة بالمجتمع، بما يضمن العدالة الاجتماعية، ويحرر الإرادة الاقتصادية من التبعية، ويعيد للإنسان موقعه بوصفه غاية الإنتاج لا ضحيته.

في هذا السياق، تبرز تجربة فنزويلا بوصفها مثالًا كاشفًا: حين تُختطف السيادة تحت ذرائع سياسية، تصبح الثروة الطبيعية عبئًا، وتغدو الأخلاق أول الضحايا. لقد أثبتت أن الموارد في عالم اليوم ليست نعمة خالصة، بل اختبارًا قاسيًا لاستقلال القرار الوطني.

في هذا الملحق، نحاول فتح نافذة على اقتصاد مختلف: اقتصاد يعيد الاعتبار للإنسان، ويرفض أن يكون أداة إخضاع، ويصر على أن يكون بوابة للتحرر. لأن الأزمة، مهما عظمت، تظل دائمًا مقدمة محتملة لإعادة اختراع الذات، والسيادة، والمستقبل.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #الاقتصاد_السياسي #السيادة_الاقتصادية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.