هَيييي “كريمات” الوش

صحيفة الهدف

توتا صلاح مبارك

 بَدَأتْ بخفة وسعادة بائنة في تجهيز نفسها وأطفالها استعداداً للخروج. لقد وعدها زوجها بسانحة “تَسَوُق” لا تتكرر كثيراً فهو غارق في عمله بالخارج بينما هي منغمسة تماماً في واجبات المنزل ورعاية الأطفال. ضاقتْ حلقة حياتها واستحكمتْ في فضاء فصلِها الجديد منذ أنْ استسلَمَتْ وانهزمتْ لفكرة داعبتْ عقلها بخبثٍ، وحاصرتها بذاك الخيار المُر لِتَهْجُر العمل وقد فَعَلَتْ!!! كانت تقضي فيه سحابة يومها، وتعود وبانتظارها معركةٌ أخرى، إنها واجبات المنزل!!!!

فكرت لنفسها أن عمل المرأة إن لم يصاحبه اقتسام لمسؤولية البيت وأشيائه الصغيرة من الطرف الآخر أي الزوج، لأصبح عبئاً على المرأة ليحشرها في زمرة “الوأد الاقتصادي”!! فهي تكسب وتُسهم في ميزانية البيت كما أنها تقوم بواجبات المنزل بصبر الأنبياء. هكذا كان يهمس عقلها وهي تواصل استعدادها للخروج و….. صوته يقرع آذانها: “يا جماعة الحكاية شنو دايماً إنتو متأخرين”. احْتَجتْ سِرّاً أنْ لماذا كل ما تفعله لا يحصد إلا النقد والانتقاد!!!

في الطريق حاولتْ أن تتغلب على أحاسيسها المتشاكسة، وأن تُجنب نفسها تبعات معركة هي إرث لماضي طويل لا يهزمه تفكير أحادي، فردي، يكفي قلبها الآن “كَدَمات” هذه الـحـ.رب التي اندلعتْ “هناك”… في أرضٍ لم تكن تنقصها حـ.رب واقتتال، فقد كانت كل أيامها حـ.رب مع الفقر والظلم والمعاناة!!

دلفوا إلى ذلك المحل التجاري الضخم الذي كان كل شيء فيه يفجر دهشة وإعجاباً في مَنْ يرتاده، إلا إنه يهز وَتَراً خفياً بداخلها فيُفجر إحساساً بالخيبة والإحباط. إنها المقارنة الموجِعة مع ذلك “الوطن المغدور” الذي لم يتورعوا “هم” أن “يحشوا” جيوبهم بمدخولات “بتروله” ليبقى متنفس البسطاء هو سوق “سعد قشرة” و….”سوق ليبيا”، انتشلت نفسها من أفكارها القاتمة، ثم هتفتْ قائلة: “خلينا نمشي الجزء بتاع الكريمات، والله لوني باهت، وبشرتي مرهقة”. وفاضت من ملامحها ما يشابه ظلاً لسعادة واستحقاق لشيء ما.

تابعها بصمتٍ وهو يفكر في ما قالت… وفي المرتب الذي أثقله إرسال “المصاريف” للأهل “النازحين” وقد اغترفت الـحـ.رب إثمها وخطيئتها!! التمعت عيناها ببريق عشق ودهشة، وهتفتْ كطفل مأخوذ: “هيييي دي سائل فيتامين سي بِخَلي البشرة ناضرة! والريتِنول كمان بِفَتِح اللون، هههه وبرضو بشيل (الكرمشة) الخفيفة لكن… بررييي أنا لسة ما جاتني!”.

هنا تدخل الزوج مُقترحاً وقد كَسَتْ وجهه ابتسامة الظفر: “خلي الكريم دي لغاية ما تجيك (الكرمشة)!!!”. لكنها قاطعته وبسرعة: “ههه لكن الوقاية خيرٌ من العلاج” لتواصل رحلة الدهشة مع “الكريمات”! “الهايالورنِك أسيد كمان قالوا ليك بِرَطِب البشرة وبرضو نفس الحكاية (القلايكولِك أسيد) والله في نسوان قالوا إنه كمان أقوى!!! هيييييي الـ سكرب scrub مالي نسيتو بزيل (القشرة الميتة من الوش) والفوم foam لغسيل الوش، والله نصحونا نبعد نهائي من الصابون. يا اخواني… الليلة نسيت (التونر)، قالوا دي مهمة بعد غسيل الوش!!! لا حول ولا قوة… دي كريم (حول العينين)، والله واحدة من خالاتي كان تحت عيونها وارِم وغامق، بري بري يا يمة ما دايرة أبقى زيها!!! وووووب نسيت أهم حاجة، واقي الشمس، قالوا دي (الكمدة بالرمدة) لأشعة الشمس!!!”.

كانت تتحدث بحماس لا يحتاج لتثنية أو تأكيد من أحد وهي تضع ما اختارت في الـ “شوبينق باسكت”. أطلقت تنهيدة عميقة وأضافت وهي تحثه: “يلا خلاص نمشي الكاشير عشان تدفع”. قاطعها قائلاً: “لكن في حاجة مهمة نسيتيها والله”. لم ينتظر استفسارها عما هو ذلك “الشيء” الذي نسيت أن تتضمنه مشترياتها، فقال: “والله لازمك (وش) تاني عشان تستعملي فيه كل الكريمات دي كلها” وابتسم بخبث!!

#ملف_المرأة_والمجتمع #توتا_صلاح_مبارك #قصص_اجتماعية #واقع_المرأة #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.