توتا صلاح مبارك
كان يوماً طويلاً إمتدت فضاءاته لتحتوي التزاماتٍ كُثْر ، الوظيفة و ما يستصحبها مِن رَهَقٍ جسماني يُسْهِم فيه الاستيقاظ باكراً و رَهَقٍ آخر ذهني تَأتي به طبيعة مهنة تتعامل مع جسد الإنسان !!
جَلَستْ بجانب ابنتها و هي في سريرها لتؤانسها و تَقُص لها حَكايا ما قبل النوم .
كانت سني عمرها لم تتجاوز الخامسة ،
تحملُ وجهاً بلون القمح و قد لاقح الشمس ،
يُتَوِجَهُ شعرُُ تتثني سبائبه كموجات النيل ،
كانت ملامحها البريئة تكتسي جدية حين يمور عقلها بأسئلةٍ و حيراتٍ صغيرة ، و كثيراً ما كان ذلك يحدث !!!!.
نظرتْ الطفلة الي امها و بدأت تحدثها عن يومها في المدرسة و عن صديقتها ميسي Maisy’s ،
ارتسم في وجهها طيف حيرةٍ مفاجئة،
ثم أَلْقَتْ بعبارتها :
“ Mummy, u r not tall and blonde like Maisy’s mum”
” انت لستِ بطويلة و لا شقراء كأُم ميزي”
صمتتْ الام …و أجابت بعد هنيهة ، في محاولة لتذويب حرارة اللحظة
و احتقانها:
أتفق معك ان أُم “ميسي” طويلة
و شقراء ……
سرعان ما أبحرت الصغيرة في قارب النوم تاركة السؤال مُعَلَقاً ، ينتظر قصص ما قبل النوم ، في مساء اليوم الذي يليه ،
و قد كان …. فحين حدثتْ امها عن صديقتها المفضلة “ميزي” ،
نظرتْ بعيداً كَمٌنْ يحَدِق في شيء ما ،
ثم قالت مرةً أخري “:
u r not tall & blonde like Maisy’s mum!!!
” هَمَسَتْ الام لنفسها
” وووب عليٌ، تااااااني !!!”،
ثم أجابتها بصبر و تؤدة:
ليست كل الأشياء تخضع لخيارتنا ،
فليس من حقنا ان نختار ألوان “بشراتنا” ،
نأتي للحياة هكذا ، مختلفين ،
تساءلت الطفلة :
لماذا نأتي مختلفين ؟
مَن جَعَلَنا مختلفين ؟
أجابت الام بصبر : انه الله خلقنا مختلفين ،
فهذا فاتح البشرة ،
هذا اسمرها ،
و هذا داكنها جدا ،
كذلك الأطوال ،
هناك القصير ،
و هنالك أيضا الطويل ،
و الأكثر طولا ،
كانت الطفلة تنصتْ بإصغاءٍ بالغ ،
ثم حركَتْ وجهها و زَمَتْ شفتيها ،
و قالت :
?is that why I am brown
هل لهذا السبب أتيتُ أنا سمراء ؟
و ألْقَتْ بسؤال آخر حارق :
و لِمَ خلقنا الله مختلفين ؟ .
هنا أطلقت الام تنهيدة و هي تدرك ان الموضوع بدأ يأخذ منحيً فلسفياً مُعَقَداً ،
بل بَدَأَ يلامسَ منطقةً ملتهبة يستعصي فيها التبرير ، حين يَعِي الطفل
و يتساءل انْ ِلِمَ لا يشبه مَنْ حَوْله!!!!
……ثم واصلتْ حديثها لطفلتها :
لكي أن تتخيلي نفسك في حديقةٍ كل الزهور فيها بلونٍ واحد ،
و كل الأشجار بذات الطول ،
الا تعتقدين ان ذلك يبعث علي الملل؟
……اما إذا تنوعتْ الوان الأزهار ،
و تباينت أطوال الشجر ،
سيصبح الأمر جاذباً ،
فالتنوع في الوان الزهر ،
و الاختلاف في أطوال الشجر يهزم حالة التشابه التي قد تبعث علي الضجر من التكرار و ينفخ في الوجود كثيراً من حيوية !
كذلك اللوحة إذا تغطتْ بلون واحد فقط لن تكون جاذبة ،
أليس كذلك؟
كانت الطفلة تصغي بصمتْ ،
لم تُعْلِن اقتناعها كما لم تعترض،
فقط أغْمَضَت عينيها و إنسربت الي عالَمٍ ساحر …..هو النوم !!!!
ذات نهار تواضع برده و إتَزَنْ، قررتْ السير الي منزلها عبر وسط المدينة التي تمتلئ بالمحلات التجارية ،
دَلَفت الي إحداها Edinburgh fabric store ،
كان متجراً متخصصاً في بيع الأقمشة
و كل مستلزمات الحياكة من دانتيلا ، شرائط ملونة ، زرائر ، “ترتر” ، خرز ، و أيضاً كل ما يلزم لتصميم أزياء العروض المسرحية .
غمَرَها شعور دفاق بالسعادة ، كانت تعشق الأزياء و تصميمها منذ طفولتها ، تَمَنٌت حينذاك ان تصبح “مصممة أزياء” !!!!!
لكن زمانُها كانت تحكمه قوالب جاهزة ، مُعَدٌة للوظيفة تصنعها الاسرة لِيُصَب فيها الطفل و……لا عزاء لمواهبه !!!!!
لم تكن محتويات ذلك المحل التجاري وحدها هي التي فَجَرَتْ سعادتها ، بل أيضاً شيءُُ مِن حنين حلقَ بها الي عوالِمَ ساحِرات تزينتْ ب”امها” و هي تبدع في تصميم فساتينها هي و أخواتها عندما كُنٌ صغارا .
لم تتردد في الدخول الي غرفة في نهاية المحل كانت بها بعض العاملات الشابات يجلسن بجانب ماكينات و هنٌ يَحِكْنَ الملابس !!!
أطلَقَتْ شهقة خافتة حال ما رفعت إحداهنٌ راسها ،
ثم ألْقَتْ عليها التحية !!!
لم تكن بحاجةٍ لتذكير نفسها انهما تقابلتا قبل ذلك مراتٍ عديدة …..
عندما همتْ بالانصراف كانت تبتسم لنفسها ب…بظفرٍ .
حَلٌ المساء في ذات اليوم ، لم يأتي مخالفاً لسابقيه ، إلا في ذلك الشعور المُبْهَم الذي كان ينساب في دواخلها زاخٌاً شيئاً من ارتياح و بعضَ تنفيس !!!!
جلسة ما قبل النوم و ما يستصحبها من حكايا و أحاجي مُحَوَرة لتناسب أطفال التغريبة السودانية ، أبناء الشتات ، مضت بسلاسة و إنسياب حتي حين لامس الحديث نقطة الإلتهاب ، ” ميزي و أمها”.
خَتَمَتْ الأُم حكاياها بمِسْكٍ عَطٌر احلام الصغيرة حين إقترحتْ مرافَقَتَها من المدرسة اليوم التالي بدل ال “child minder” ، ثم الذهاب لوجبة في كنتاكي فرايد شِكِنْ KFC.
أمسكت الأم بيد ابنتها و هما تخرجان من المدرسة .
كانت تقاوم شعوراً خفياً بالتقصير
و بعض إحساس بالذنب عند رؤيتها للصغيرة و السعادة تتدفق من وجها ،
فاصطحابها لطفلتها من المدرسة خَلَقَتْ منه طبيعة عملها و التزاماته حَدَثاً يستحق الإحتفاء !!!
لكنها حاولَتْ تحدي ذاك الشعور
و دحضه بفكرة أن عملها غير ما يسبغه عليها هي نفسها من ثقة
و قِيمة معنوية ، هو بلا جدال ركيزة مهمة في ثبات الاسرة و استقرارها المادي !!!!
واصلتْا السير ، و هي تمسك يد ابنتها بقوة و كأنها تُثَبِتْ لنفسها وجودها الجسدي و المعنوي معاً في حياة طفلتها !!!
حين وَطَأَتْ أقدامهم مدخل ذات المتجر الذي يروق لها Edinburgh fabric store
لم تشغل نفسها برؤية ما رأتْ من قبل ، بل شََقَتْ طريقها الي….الغرفة
“في نهاية المحل”……… حيث كانت تجلس الشابة ” الشقراء ” علي إحدي ماكينات الخياطة !!!!
صرختْ الصغيرة بفرح و هي تقول
” Hey, Maisy’s mum “
هيييييي دي ام ميسي
ثم التفتتْ الي امها قبل ان يصلاها
و هي تسأل :
?Does Maisy’s mum fix dresses
هل ام “ميسي”
تفصل الملابس ؟
كانت اجابتها : نعم ، هذا ما نراه .
ثم اردَفَتْ الطفلة بسؤال مفاجئ:
?What do u fix, mummy
و انتي يا امي ماذا تصلحين ؟
أجابت الأم بثقة المنتصر :
أنا أحاول ان اصلح جسد الإنسان!!!!!!
هَتَفَت الطفلة بإعجاب :
انتِ ذكية يا أمي !!!
نظرتْ اليها الأم بحب و هي تقول :
ألَم أقول لك ان “الاختلاف” و التباين الإيجابي هو اساس الأشياء ،
فعلينا أن نحتويه و نستثمره حتي لا يَتَحَول الي صراع و تناحر .
#ملف_المرأة_والمجتمع #أدب_سوداني #المرأة_السودانية #قصص_الشتات #توتا_صلاح_مبارك

Leave a Reply