منيرة محمود
في قلب الدار السودانية، حيث تنام الشمس على جدران الطين وتتنفس النخيل في الراكوبة، يتمدد العنقريب كأنه شيخٌ حكيمٌ يروي حكايات الزمان. ليس هو مجرد سريرٍ يُنام عليه، بل هو وثيقةٌ منسوجةٌ بالحبال، تشهد على أعراسٍ ودموع، على سكون الليل وهمس الحكايات.

العنقريب، ذلك السرير الخشبي الذي يُنسج سطحه بالحبال، كان وما زال رفيق الإنسان السوداني في سكونه وصحوته. يُصنع من خشب السدر أو السلم، وتُشد حبالُه بإتقانٍ يشبه عزف العود في يدِ فنانٍ نوبي. في الماضي، كان يُزخرف بالعاج والذهب، ويُحمل على أكتاف الرجال في مواكب الملوك، أما اليوم، فهو يسكن في ظل الراكوبة، يراقب الحياة من بعيد، كأنه يتأملها.
في ليلة الحنة، يُجلس العريس على العنقريب، وتُرش عليه الحناء، وتُغنى له الأغنيات، كأنما العنقريب يبارك له الطريق. وفي الجنازة، يُحمل عليه الجثمان، في صمتٍ مهيب، كأنما العنقريب يودّع صاحبه كما استقبله ذات يومٍ في المهد. هكذا، صار العنقريب شاهدًا على الفرح والحزن، على الميلاد والرحيل.
تختلف تسميته باختلاف القبائل: “أنقري” عند النوبيين، “السيداب” عند البجا، و”الدقاق” في النيل، لكن روحه واحدة. هو ليس مجرد أثاث، بل هو ذاكرةٌ جماعية، تُحكى على سطحه قصص الجدات، وتُنسج فيه أحلام الطفولة.
ورغم زحف الأسرة الحديثة، لا يكاد يخلو بيتٌ سوداني من عنقريبٍ واحدٍ على الأقل، كأنما هو وصية الأجداد، أو طقسٌ لا يُنسى. في أسواق الحرفيين، ما زال يُصنع، وما زالت أنامل النفيراب تُجدل حبالَه، وما زال يُباع، لا بثمنه، بل بقيمته.
العنقريب في المتاحف والآثار:
لم يكن العنقريب غائبًا عن الذاكرة الأثرية، فقد وُجد مجسدًا في بعض مقتنيات متحف السودان القومي، وفي متحف اللوفر بباريس ضمن أثاث كوشي منزلي يعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام. تظهر رسومات ونماذج خشبية دقيقة لعنقريب نوبي قديم، مما يدل على عمق حضوره في الحياة اليومية منذ العصور القديمة. وقد وثّقت بعض النقوش وجوده ضمن مشاهد الأسر الملكية، كرمز للراحة والسلطة، مما يربط العنقريب بتاريخ الإنسان السوداني من المهد إلى اللحد.
#ملف_المرأة_والمجتمع #التراث_السوداني #العنقريب #منيرة_محمود #ثقافة_سودانية

Leave a Reply