المحامية سلوى أبسام
نستعرض في حملة القضاء على الـعـنف ضد النساء الإطار التعريفي بمفاهيم وصول النساء للعدالة وآليات الحماية الوطنية في سلسلة من المقالات، سنحاول الاقتراب من هذا المسار، وفهم أبعاده المختلفة: من الإطار الحقوقي، إلى القوانين، إلى المؤسسات، وصولًا إلى التمكين القانوني. لأن العدالة، حين تصل إلى النساء، لا تغيّر حياتهن فقط، بل تُسهم في بناء مجتمعات أكثر إنصافًا للجميع.
ونبدأ هذه السلسلة بالسؤال الافتتاحي: لماذا لا تزال العدالة بعيدة عن كثير من النساء؟
رغم التقدم التشريعي الذي شهدته دول كثيرة خلال العقود الأخيرة، لا تزال العدالة بالنسبة لعدد كبير من النساء هدفًا بعيد المنال. فالمشكلة لا تكمن فقط في غياب القوانين، بل في المسافة الواسعة بين ما هو مكتوب في النصوص القانونية وما تعيشه النساء فعليًا عند محاولة المطالبة بحقوقهن.
تدخل المرأة إلى منظومة العدالة وهي محاطة بتحديات متراكبة؛ قوانين معقدة، مؤسسات بطيئة، إجراءات طويلة، وأحيانًا نظرات اجتماعية تُشكك في حقها قبل أن تُنصت إلى قضيتها. في كثير من الحالات، لا يكون العائق قانونيًا فحسب، بل ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يجعل طريق العدالة شاقًا ومُكلفًا نفسيًا وماديًا.
العدالة ليست قانونًا فقط حين يُذكر “الوصول إلى العدالة”، يتبادر إلى الذهن فورًا وجود قانون أو محكمة. لكن العدالة، في واقع النساء، أوسع من ذلك بكثير. فهي تعني القدرة على معرفة الحق، والجرأة على المطالبة به، والاطمئنان إلى أن المؤسسة التي تنظر في القضية ستتعامل معها بإنصاف ودون تحيز.
فالمرأة التي لا تعرف حقوقها القانونية، أو لا تستطيع تحمّل كلفة المحامي، أو تخشى الوصم الاجتماعي، أو لا تتحدث لغة المحكمة، هي امرأة محرومة من العدالة حتى وإن كان القانون في صفها.
عوائق غير مرئية… لكنها مؤثرة تواجه النساء عوائق متعددة قد لا تظهر في نصوص القوانين، لكنها حاضرة بقوة في الواقع. من بينها التحيز الجندري داخل بعض مؤسسات العدالة، حيث تُقابل شكاوى النساء أحيانًا بالتشكيك أو التقليل من شأنها. وهناك أيضًا العائق الجغرافي، حين تكون المحاكم بعيدة أو غير مهيأة، والعائق الاقتصادي، عندما تصبح العدالة امتيازًا لمن يملك المال.
ولا يمكن إغفال أثر الثقافة السائدة، التي قد تُحمِّل المرأة مسؤولية الانتهاك الذي تعرّضت له، أو تدفعها إلى الصمت حفاظًا على “السمعة” أو “تماسك الأسرة”، حتى لو كان الثمن هو التنازل عن حقها.
النساء في سياقات أكثر هشاشة تتضاعف هذه التحديات في البلدان التي تعاني من النزاعات أو الأزمات أو ضعف المؤسسات. ففي مثل هذه السياقات، غالبًا ما تكون الأولوية للأمن والاستقرار، بينما تُهمَّش قضايا النساء، وتصبح العدالة لهن مسألة مؤجلة.
في حالات ما بعد النزاع، قد تُعاد بناء المؤسسات القانونية، لكن دون أن تُؤخذ احتياجات النساء في الحسبان، فتُستنسخ أنظمة عدالة لا تعكس واقعهن ولا تستجيب لتجاربهن الخاصة.
من القانون إلى الحياة اليومية إن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب الالتزامات الدولية أو النصوص الدستورية التي تؤكد المساواة، بل في غياب الآليات التي تجعل هذه الالتزامات واقعًا ملموسًا في حياة النساء. فالقانون الذي لا يمكن الوصول إليه، أو لا يُطبَّق بإنصاف، يتحول من أداة حماية إلى نص جامد بلا أثر.
لهذا، فإن الحديث عن وصول النساء إلى العدالة هو حديث عن إصلاح شامل، يبدأ من القانون ولا ينتهي عنده، ويمتد ليشمل المؤسسات، والسياسات، والموارد، والثقافة المجتمعية.
العدالة كمسار طويل العدالة للنساء ليست خطوة واحدة ولا قرارًا سريعًا، بل مسار طويل يتطلب إرادة سياسية، ووعيًا مجتمعيًا، وتمكينًا حقيقيًا للنساء من معرفة حقوقهن والمطالبة بها دون خوف.
يتبع..
#ملف_المرأة_والمجتمع #العدالة_للنساء #حقوق_المرأة #سلوى_أبسام #قانون #تمكين_المرأة

Leave a Reply