تأثير الحـ.ـرب على اقتصاديات الثروة الحيوانية في السـودان

صحيفة الهدف

أ.د. شادية أحمد لازم

مقدمة: أحدثت الحـ.ـرب التي اندلعت في السـ.ـودان في أبريل 2023 صدمة عميقة لقطاع الثروة الحيوانية، أحد أعمدة الاقتصاد الريفي ومصادر النقد الأجنبي. فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة إلى تعطّل شبه كامل للخدمات البيطرية (التطعيم، العلاج، المراقبة الوبائية)، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتعطيل طرق التجارة الداخلية والخارجية. كما تسببت أعمال العنف والنزوح الواسع في نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات أو فقدانها بسبب السرقة أو التخلي القسري.

ونتيجة لذلك، اتسع نطاق انتشار أمراض الحيوان، وتراجعت دخول الأسر المعتمدة على الرعي وتربية الماشية، وانخفضت عائدات التصدير بشكل حاد. وتشير تقديرات أولية مستندة إلى تقارير ميدانية وشركاء دوليين إلى أن خسائر الصادرات الحيوانية خلال فترات متقطعة من السنة الأولى للنـ.ـزاع قد تجاوزت مليار دولار أمريكي. وقبل الحـ.ـرب، كان هذا القطاع يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، ومصدراً مهماً للعملة الأجنبية، وقاعدة معيشية لملايين السـ.ـودانيين.

  1. المنهجية ومصادر البيانات: يعتمد هذا التحليل على منهج وصفي–تحليلي، مستند إلى مصادر متعددة للتحقق والتقاطع، تشمل: أ. موجزات وتقارير الطوارئ الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والبنك الدولي. ب. دراسات علمية محكمة حول العبء الاقتصادي للأمراض الحيوانية الرئيسية، مثل: حمى الوادي المتصدع، طاعون المجترات الصغيرة، الحمى القلاعية، وجدري الأغنام. ت. بيانات الأسواق (2024–2025) الصادرة عن الشركاء الإنسانيين وآليات رصد التجارة. ث. بحوث المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، وتقارير ميدانية وطنية، وتقييمات سوق مستقلة.

ملاحظة منهجية: لا تزال البيانات الوطنية الشاملة حول حجم الخسائر غير مكتملة بسبب ظروف الحـ.ـرب، لذا يعتمد التقرير على تقديرات تقريبية ونماذج مقارنة إقليمية، وليس على أرقام وطنية نهائية.

  1. السياق قبل الحـ.ـرب: الأسس والأرقام المرجعية أ. حجم الثروة الحيوانية: قُدّر القطيع القومي قبل النـ.ـزاع بنحو 111.8 مليون رأس (أغنام، ماعز، أبقار، إبل)، ما وضع السـ.ـودان ضمن أكبر الدول الإفريقية في هذا المجال. ب. الأهمية الاقتصادية: ساهم قطاع الثروة الحيوانية بنحو 34% من الناتج المحلي الإجمالي الزراعي، ووفّر قرابة 40% من فرص العمل الزراعي، وفق دراسات CGIAR ومصادر وطنية. ت. عبء الأمراض (خط الأساس): كانت الأمراض المتوطنة، مثل طاعون المجترات الصغيرة والحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع، تمثل عبئاً اقتصادياً سنوياً ملموساً، إلا أن تأثيرها كان يُحتوى جزئياً عبر برامج التطعيم والمراقبة. ث. مقياس مقارن للأثر الاقتصادي: أظهر تفشٍ واحد لحمى الوادي المتصدع في كينيا خسائر قدرت بنحو 9.3 مليون دولار أمريكي، ما يوفر مؤشراً تقريبياً لحجم الخسائر المحتملة في السـ.ـودان في حال تفشي أوبئة مماثلة دون استجابة فعالة.
  2. تأثير الحـ.ـرب على صحة الحيوان والاقتصاد أ. تعطيل الخدمات البيطرية: تشير تقارير الفاو والجهات الإنسانية إلى توقف شبه كامل لبرامج التطعيم في مناطق واسعة، وفقدان البنية التحتية لسلسلة التبريد، وصعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج. وقد أدى ذلك إلى:
  • زيادة معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات.
  • انخفاض الإنتاجية الحيوانية (اللحوم، الحليب، الجلود).
  • تآكل القيمة الاقتصادية للقطيع على المدى القصير والمتوسط.

ب. خسائر التصدير واضطراب الأسواق: تفيد تقارير ميدانية (2024–2025) بحدوث اضطرابات حادة في صادرات الماشية ومنتجاتها، نتيجة:

  • إغلاق طرق التجارة والموانئ البرية.
  • رفض أو تعطيل شحنات التصدير لأسباب صحية وأمنية. ورغم ارتفاع الأسعار الاسمية للماشية في بعض الأسواق المحلية بسبب التضخم، فإن الدخل الحقيقي للمنتجين انخفض نتيجة ضعف الوصول للأسواق العاملة وارتفاع تكاليف النقل والمخاطر.

ت. فقدان رأس المال الحيواني والنزوح: أدت الحـ.ـرب إلى فقدان مئات الآلاف، وربما ملايين، من رؤوس الماشية بسبب النفوق أو السرقة أو البيع القسري بأسعار متدنية أثناء النزوح. وسجلت أقاليم مثل دارفور وكردفان تدهوراً حاداً في سبل العيش، ترافق مع ارتفاع معدلات الفقر والهجرة الريفية.

ث. تزايد مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ: ساهم انهيار برامج التحصين، والحركة غير المنضبطة للماشية، والاضطرابات البيئية في تهيئة ظروف مواتية لعودة ظهور أمراض حيوانية منشأ، مثل حمى الوادي المتصدع، ما يفاقم العبء الاقتصادي ويضيف مخاطر صحية عامة.

  1. مسارات انتقال الخسائر الاقتصادية أ. فقدان رأس المال الحيواني (نفوق، سرقة، بيع قسري). ب. انخفاض دخل الأسر الريفية وقدرتها الشرائية. ت. تعطّل الممرات التجارية وفقدان أسواق التصدير. ث. زيادة تكاليف الصحة البيطرية والصحة العامة. ج. آثار اجتماعية وبيئية طويلة الأجل: تآكل المعرفة الرعوية، الهجرة القسرية، وتعمق الفقر البنيوي.
  2. التوصيات ذات الأولوية: أ. تنفيذ برامج تطعيم طارئة ضد الأمراض عالية الأثر (طاعون المجترات الصغيرة، الحمى القلاعية، حمى الوادي المتصدع). ب. استعادة أنظمة المراقبة البيطرية المتنقلة لتقليل زمن اكتشاف التفشيات وخفض كلفتها الاقتصادية. ت. إعادة فتح ممرات التصدير الآمنة تدريجياً لاستعادة تدفق العملات الأجنبية. ث. دعم مالي موجه للأسر الرعوية لمنع تآكل ما تبقى من رأس المال الحيواني. ج. تقييم شامل للأضرار والخسائر لوضع أسس اقتصادية قابلة للتحقق لتمويل التعافي.

الخلاصة: تعرض قطاع الثروة الحيوانية في السـ.ـودان، الذي كان يمثل ركيزة أساسية للناتج المحلي الزراعي والعملات الأجنبية، إلى انهيار وظيفي حاد بفعل الحـ.ـرب. وتشير التقديرات الأولية إلى خسائر كبيرة في الصادرات، وتعطل شبه كامل للخدمات البيطرية، وفقدان واسع لرأس المال الحيواني. من دون تدخلات استراتيجية مركزة وسريعة، قد تتحول هذه الخسائر إلى أزمة طويلة الأمد تُلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها بسبل العيش الريفية والأمن الغذائي. إن استقرار الإنتاج، واستعادة القدرة التصديرية، والحد من المخاطر الصحية، تمثل شروطاً أساسية لأي مسار تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.