مشروع الجزيرة وشراكة الإنتاج: (المزارع، الحكومة، والإدارة)

صحيفة الهدف

سعد راشد حسب النبي

تحت ضغط الحاجة الملحة لسلعة القطن من قبل مصانع “لانكشير” ومصانع النسيج الأخرى في “إنجلترا”، أقدمت الإدارة الاستعمارية على تجربتها الأولى في إقامة مشروع الجزيرة في العام (1912.. 1913) في منطقة “طيبة عبد الباقي”، تم ريها بواسطة طلمبات من النيل الأزرق.

ابتدأت هذه التجربة بعلاقات إنتاج قامت على أساس “الحساب الفردي”، الذي كان سائداً وقتها في القطر المصري ثم نقل منه إلى مشروع الزيداب ثم نقلته لمشروع الجزيرة. في الحساب الفردي يقوم المزارع بكل العمليات الزراعية ويستفيد من عائدات زراعته بعد دفع رسوم الماء والتحضير والأرض والضريبة. في ذلك الوقت وخلال موسمين تحمل المزارعون والحكومة والإدارة البريطانية الاستعمارية خسارة كبيرة، دفعتها إلى إعادة النظر في علاقات الإنتاج، وتبديلها من نظام الحساب الفردي إلى حساب مشترك.

وظل يعرف بـ “نظام الحساب المشترك”، وهو نظام استلهمته الإدارة البريطانية الاستعمارية من نظام علاقات الإنتاج الذي كان سائداً بين الأهالي الذين كانوا يزرعون السواقي على النيل، وتحديداً في منطقة “فداسي” الحالية، حيث يوزع العائد بنسب تضمن حقاً للمزارع ولصاحب الساقية وحتى “العليقة” لثور الساقية. وهكذا جاءت صيغة الحساب المشترك كصيغة متطورة من الإرث الشعبي السـ.ـوداني التعاوني، ثم مرت بفترات تعديل حتى استقرت على توزيع المحصول النقدي “القطن” على النحو التالي:

  • 37% للحكومة.
  • 47% للمزارع.
  • 10% لإدارة المشروع.
  • 2% احتياطي للمزارع في حالة الغرق أو الحـ.ـرق.
  • 2% للمجالس المحلية في الجزيرة.
  • 2% للخدمات الاجتماعية.

وللحقيقة فإن علاقات الإنتاج على أساس الحساب المشترك كانت محققة لتوازن المصلحة بين شركاء الإنتاج (الحكومة، المزارع، الإدارة)، وكانت ضامنة لإدارة مشروع مساحته 2 مليون ومائتي ألف فدان كمزرعة واحدة.

وهنا لابد أن نقف أمام ملاحظة مهمة وهي أن الإدارة البريطانية الاستعمارية وتحت ضغط حاجتها الملحة للقطن اضطرت لاستلهام إحدى صيغ العمل التعاوني (الحساب المشترك) تماماً كما فعلت في موضوع الزراعة المطرية. أثناء الحـ.ـرب العالمية الثانية اضطرت الإدارة الاستعمارية، ومن أجل توفير الغذاء للجنود، إلى إقامة مشروع حكومي مطري (مزرعة دولة) في منطقة القضارف في “القدنبلية” بمساحة 12 ألف فدان كبداية، وذلك في العام 1945 وشكل بداية فعلية للنشاط الآلي المطري. وفي العام 1948 عملت على استيعاب صغار المزارعين “بعلاقات مشاركة”، حيث منحت كل مزارع 28 فداناً. وكانت إدارة المشروع تقوم بعمليات التحضير والزراعة ويقوم المزارع بالنظافة والرعاية ثم يقسم الإنتاج مناصفة بينهم.

وهنا نلاحظ أيضاً بأن الإدارة البريطانية الاستعمارية وتحت ضغط الظروف الاستثنائية اضطرت للاستعانة بإحدى صيغ النظام الاشتراكي (مزارع الدولة). استمرت هذه الصيغة حتى العام 1954، بعدها خرجت الدولة من الإنتاج المباشر وتم توزيع أصول المشروع المطري (الآليات) للقطاع الخاص وكمستأجر للأرض وأصبحت مساحة المشروع الواحد ألف فدان وبإشراف هيئة الزراعة الآلية التي أنهي دورها عام 1992 ثم أُسندت مهامها للسلطات الولائية.

بعد أفول مرحلة الاستعمار التقليدي المباشر، عاد ما سُمي بالاستعمار الحديث لاستئناف مسيرة السيطرة والتبعية بفرض رأسمالية الزراعة في القطاع الزراعي. لذلك فإن الأزمة الراهنة لمشروع الجزيرة والمناقل والمشاريع المروية عموماً، هي أزمة نهج رأسمالية الزراعة، هي أزمة المنهج الرأسمالي الطفيلي “نهج الخصخصة”، هذا النهج الذي عبّر عن مصالح الأقلية المتحكمة بمظالم تاريخية وقوانين قمعية طالت المزارعين كما طالت جماهير شعبنا في جميع أنحاء البلاد.

إن سياسة خصخصة مشروع الجزيرة التي حققها قانون (2005)، أو في الحقيقة استكمالها قانون (2005)، تمت على مراحل مهدت لإعلان هذا القانون واعتماد تنفيذه. وبصرف النظر عن اللجان والسمنارات التي عُقدت قبل إجازته وعن إشرافها وتمويلها بواسطة البنك الدولي “لنتابع القصة منذ بدايتها”. إن مضمون قانون (2005) كان مطروحاً من قبل البنك الدولي منذ نهاية الخمسينيات في القرن الماضي، وذلك كما ورد في الأرشيف الخاص بمشروع الجزيرة، وتمثلت ضغوط البنك الدولي في إلغاء نظام الشراكة الثلاثية وفي زيادة مساحة الحواشة إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه، أي تحويل المشروع إلى ملكيات كبيرة ثم تحويل عمليات الحلج وتوفير مدخلات الإنتاج لرأس المال الخاص؛ باختصار هذا هو مضمون قانون (2005).

ظل البنك الدولي يضغط في هذا الاتجاه منذ السنوات الأخيرة للدكتاتورية الأولى وخلال فترة ما بعد ثورة أكتوبر المجيدة فترة التعددية الثانية، ولكن صمود حركة المزارعين ووعي الحركة الوطنية والديمقراطية لم تمكنه من تحقيق أغراضه. تجددت هذه الضغوط في فترة الدكتاتورية الثانية التي استجابت وفرضت الخطوة الأولى وهي تغيير علاقات الإنتاج من خلال فرض الحساب الفردي في “مشروع السوكي” و”مشروع الرهد” ثم في “مشروع الجزيرة” وبقية المشاريع المروية الأخرى، وذلك في العام 1981، وقبلها فرضت ضريبة المياه بالرغم من الاحتجاجات الواسعة وإضراب المزارعين في موسم 1979/ 1980.

إذن الخطوة الأولى في اتجاه خصخصة مشروع الجزيرة والمشاريع المروية الأخرى فُرضت في عهد الدكتاتورية الثانية بتغيير علاقات الإنتاج من الحساب المشترك للحساب الفردي. الخطوة الثانية هي سياسة التحرير الاقتصادي التي فرضتها الدكتاتورية الثالثة. ومن المفارقات فإن أول تطبيق لسياسة التحرير الاقتصادي تم في مشروع الجزيرة في الموسم 1992 / 1993، وتمثلت في إلغاء التمويل الحكومي الذي كان يتم بواسطة بنك السـ.ـودان ليتم التمويل بواسطة البنوك الخاصة، وتحويل استيراد مدخلات الإنتاج (أسمدة، مبيدات، خيش) بواسطة القطاع الخاص، ومعلوم بأن البنوك والقطاع الخاص في ظل تمكين الدكتاتورية الثالثة هي الشركات المملوكة للطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة.

ومنذ العام الأول لسياسة التحرير الاقتصادي، وعلى سبيل المثال، “عجزت محفظة البنوك التجارية الخاصة في استكمال التمويل مما دفع إدارة المشروع للبيع الآجل للقطن كنوع من التمويل الذاتي، ثم بدأت تزيد وتتعمق مشاكل التمويل إلى أن أصبح مطلوباً من المزارعين في عام 1998 مبلغ 6 مليارات جنيه عبارة عن رسوم.” وفي العام 1999 تم تعجيز “مؤسسة الحفريات والري” من العمل في الوقت المناسب مما فاقم مشاكل تراكم الطمي وانسداد القنوات ليفتح الطريق أمام “خصخصة الري والحفريات” لشركات خاصة لمنسوبي النظام.

هذه مجرد أمثلة محدودة لسياسة ونهج يريد أن يخلق مشروعاً آخراً على أنقاض مشروع الجزيرة، لذلك ما حدث في مشروع الجزيرة لا يمكن اعتباره إخفاقاً إدارياً أو اقتصادياً يتعلق بتدني الإنتاجية أو غيرها من الاعتبارات الاقتصادية البحتة، بل هو عملية ممنهجة أخذت وقتاً انتقالياً أو تمهيدياً للوصول للصفحة الأخيرة في خصخصة المشروع، وهي صفحة إعلان وإجازة قانون (2005).

وانطلاقاً من الحقيقة الموضوعية في أن الأزمة الاقتصادية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن إطارها السياسي والاجتماعي وعن طبيعة الصـ.ـراع السياسي والاجتماعي، لنجد بأن أزمة مشروع الجزيرة قد لخصت وجسدت الأزمة الوطنية بأبعادها الشاملة والعميقة، فاكتمال سيطرة البنك الدولي واتجاهاته الرأسمالية على قطاع الزراعة المروية احتاجت للدكتاتورية، كما بينا أعلاه، كما أن غياب الديمقراطية أصبح عاملاً مساعداً للطغمة الرأسمالية الطفيلية في فعل ما فعلته في مشروع الجزيرة والمناقل والمشاريع المروية الأخرى.

إن قضية علاقات الإنتاج القائمة على الشراكة وكما أكدت التجربة، هي ضمانة تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق ديمقراطية المصالح المشروعة، وضمن ظروف هذه الحـ.ـرب العبثية التي أطبقت نتائجها الكارثية على الزراعة والمزارعين تصبح المعالجة الإسعافية السريعة للقطاع الزراعي ضرورة، لأنه الجذر الأساس بين جذور الأزمة الوطنية والرافعة القوية لاستعادة الهوية الوطنية والتنموية للمشاريع الزراعية والملاذ الآمن لعودة النازحين واللاجئين وتوطينهم في عموم البلاد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.