القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي وعضو مكتب العلاقات الوطنية د. أحمد بابكر لـ(الهدف):

صحيفة الهدف
  • ح.رب السودان نتاج لـ “أزمة وطنية” مزمنة وليست مجرد صراع طارئ
  • جذورنا المأزومة تعود لليلة الاستقلال وفشل البناء الديمقراطي
  • الهوية صيرورة تاريخية وليست قراراً سياسياً.. وتصوير الصراع كـ “أزمة هوية” تزييف للواقع
  • اتفاقيات السلام فشلت لأنها “قزمت الأزمة” في المحاصصة.. والحل في سلطة ديمقراطية شاملة
  • ميثاق “الوطن الجديد” هو الرهان الوحيد لإيقاف الح.رب وتحصين البلاد من التسويات الفوقية

في هذا اللقاء المستفيض مع “الهدف”، يضع الدكتور أحمد بابكر، القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي وعضو مكتب العلاقات الوطنية، “مشرط الجراح” على جسد الأزمة السودانية. لا يكتفي د. أحمد بتناول الح.رب الراهنة كحدث عسكري، بل يعود بنا إلى جذور التكوين الوطني ليلة الاستقلال، مفككاً تداخلات الهوية، والسياسة، والدور الخارجي، وتجربة العمل النقابي. يقدم د. أحمد رؤية نقدية عميقة لاتفاقيات السلام السابقة، ويطرح “البديل الديمقراطي” كخيار وحيد للعبور، وصولاً إلى أهمية ميثاق “الوطن الجديد” في رسم مستقبل البلاد.

حوار: طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

  • يرى البعض أن الح.رب الحالية هي “أزمة طارئة” انفجرت فجأة، بينما يراها آخرون نتاج لتراكمات قديمة.. كيف تشرحون جذور الأزمة الوطنية وتطورها من صراع على السلطة إلى ح.رب هوية؟

 

الأزمة الوطنية في السودان لم تبدأ مع هذه الح.رب بل العكس هو الصحيح، ان هذه الح.رب هي نتاج للأزمة الوطنية في السودان… وتعود جذور الأزمة الوطنية مثل كثير من الدول والأقطار للظاهرة الاستعمارية والتي شكلت حدودها الحالية، إلى عدم “اكتمال عملية البناء الوطني الديمقراطي”، أي أن الأزمة في جوهرها أزمة سياسية ذات أبعاد اقتصادية وثقافية… إذا رجعنا إلى الخلف تحديداً في ليلة الاستقلال نجد المشهد العام كالآتي: ▪️ح.رب في الجنوب. ▪️خلل في التنمية (التوزيع العادل للتنمية). ▪️ديمقراطية هشّة ليس لها جذور داخل المجتمع. ▪️وجود مجتمعين؛ مجتمع فيه بعض قيم الحداثة (مرتبط بمؤسسات الدولة).. ومجتمع تقليدي تحكمه الأعراف والتقاليد وهو أكثر ارتباط بمؤسساته الشعبية من مؤسسات الدولة. ▪️وجود تعليم ارتبط بالاستعمار وبحاجته لمقتضيات النهب الاستعماري وليس حاجات وأجندة الوطن…

  • بناءً على هذا التشخيص للمشهد التاريخي، ما هي المهام التي كان من الواجب إنجازها في مرحلة ما بعد الاستقلال لتفادي هذا الانهيار، ولماذا لم تتحقق؟

 

هذا المشهد افترض مهاماً أسميناها “مهام ما بعد الاستقلال”، وهي: ▪️إكمال عملية الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي. ▪️ترسيخ الديمقراطية ورعايتها وازدهارها حتى تصبح ثقافة وسلوكاً اجتماعياً. ▪️تحقيق السلام وتمتين الوحدة الوطنية كهدف ذي أولوية. ▪️تحقيق تنمية متوازنة تتيح عملية نهوض وطني شامل. ▪️إنشاء مراكز ثقافية تهتم بالثقافات المحلية وتطويرها، مما يساهم في إبقاء الصلة حية بتاريخ هذه المجتمعات الممتد ربما لآلاف السنين، مما يعزز من قيمة التاريخ المشترك الذي يشكل بدوره قوة دفع هائلة خاصة في المنعطفات الصعبة في تاريخ الأمم، بالإضافة لتنوع وتعدد الروافد التي تغذي الشخصية السودانية مما يساهم في تقويتها.

 هذه كانت من ضمن المهام التي كان يجب أن تكون أساساً لمشروع وطني يتوافق حوله الجميع ويتم تضمينه في دستور دائم يعمل الجميع ضمن سقفه؛ أحزاباً وقوى مدنية، وكذلك مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.. ولكن للأسف لم يتم، وهذا ما نحصد نتائجه الآن من انقلابات عسكرية واستبداد وحروب وتخلف وتصدع في البنية الاجتماعية للمجتمع.

 

  • يطرح الكثيرون أن صراع الهويات هو المحرك الأساسي لما يجري في السودان الآن، كيف تفككون هذا المفهوم في ظل التنوع الثقافي؟

 

إن الهوية ليست نتاجاً لفعل سياسي، إنما هي نتيجة صيرورة تاريخية تتشكل في شكل ثقافة وسلوك اجتماعي؛ أي أن الهوية لا تنتج بقرار سياسي أو أيديولوجي..

والتنوع الماثل عموماً هو الحالة الطبيعية في أغلب المجتمعات وفي كل شيء، بل هو أحد محفزات استمرار الحياة. ولقد أقر بذلك حزب البعث سواء على المستوى القومي (على صعيد الأمة) ومن ثم على صعيد أقطارها. وتمثل ذلك عملياً في بيان 11 آذار / مارس في العراق بالإقرار بالحكم الذاتي لإقليم كردستان في إطار وحدة العراق، كسابقة تاريخية، وهو امتداد لما نادى به حزب البعث في السودان مع إرهاصات انتفاضة أكتوبر / تشرين أول 1964 بالدعوة لإقرار التمايز الثقافي والحضاري، بين جنوب السودان عن شماله، دستورياً وإدارياً..

 لذلك يظل التنوع الثقافي هو الحالة الطبيعية وما عداه هو الاستثناء؛ يصبح التنوع نقمة عندما لا تتم تهيئة الظروف المناسبة لكي يعبر عن نفسه، ونقصد بالظروف المناسبة:

  •  الاعتراف به أولاً.
  • ثم التشريعات..
  • التنمية المتوازنة..
  • دستور مدني ديمقراطي يستند على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات المتساوية.
  • احترام ورعاية الثقافات المتعددة وتطويرها باعتبارها حقاً وكذلك رصيداً يسهم في ازدهار نهضة البلاد وتعزيز وحدتها..
  •  العرق واللون والدين وكل العناصر المورفولوجية لا تعتبر من محددات الهوية.

 

  • إذاً، لماذا يتم تصوير الأزمة حالياً وكأنها “صراع هويات”؟

 

الأزمة في البلاد في جوهرها أزمة سياسية، وتصويرها باعتبارها أزمة هوية هو نتاج للاستبداد وتعامله مع القضايا المطلبية بعنف، مما أدى لردات فعل تجاه هذا العنف وكأنها موجهة لمجتمعات معينة، مع أن الاستبداد يتعامل بعنف مع أي احتجاجات في أي مكان حتى لو كانت سلمية، فما بالك عندما تكون الاحتجاجات مسلحة.

 إذاً، الحديث عن صراع هوياتي هو تزييف للصراع الحقيقي الذي فصلناه سابقاً؛ فالأزمة في البلاد أزمة سياسية وليست هوياتية، لأن الأزمات هي نتيجة التعامل السياسي الخاطئ مع المعطيات، وهذا يمكن تغييره وتصحيحه، لكن الهويات ليست من صنع الساسة حتى يتم تغييرها أو تصحيحها. لذلك هذا التصور بأن الأزمة أزمة هوية هو ردة فعل لعنف السلطة تجاه احتجاجات ذات طابع مطلبي مشروع تحولت بفعل عنف الاستبداد إلى مطالب سياسية. وعموماً الاستبداد يتعامل مع أي احتجاجات بعنف بغض النظر عن مكان الاحتجاج أو قبيلة المحتجين، لذلك مفهوم الصراع الهوياتي هو نتاج لثقافة وعقل الأزمة وهو تزييف لجوهر الصراع والأزمة الحقيقية. وهناك ملاحظة مهمة، هي أن الحروب والصراعات التي تقوم على قاعدة هوياتية تكون عنيفة جداً ومتجاوزة لأي قيم إنسانية؛ لأن وقودها تحقير هوية الطرف الآخر، لذلك من المهم التعامل مع التنوع بإيجابية وبأنه مصدر قوة وليس مصدراً للتشتت والتشرذم….

  • شهد السودان عشرات اتفاقيات السلام التي انهارت جميعها.. برأيكم لماذا فشلت تلك الاتفاقيات في تحقيق استقرار دائم؟

 

بالتأكيد هناك عناصر متعددة ساهمت في فشل اتفاقيات السلام السابقة أهمها: ▪️ تقزيم طبيعة الأزمة في المشاركة في السلطة والثروة.. مما سهل على سلطة الاستبداد استقطاب قيادات الحركات داخل حقل السلطة والتمتع بامتيازاتها دون تغيير في جوهر السياسات التي أدت للأزمة. ▪️ عدم إدراك أن الأزمة أصلاً شاملة وبالتالي الحل يجب أن يكون شاملاً، وهذا يقودنا إلى قصور فهم طبيعة الأزمة الوطنية. ▪️ سيطرة العامل القبلي والجهوي في تركيبة القوى المتمردة وسيادة العقل الهوياتي للصراع دون أي محتوى اجتماعي واقتصادي. ▪️ لا يمكن للسلام أن يستقر إلا ضمن سلطة ديمقراطية تجعل من المشاركة في السلطة وإنتاج السياسات فعلاً شعبياً حقيقياً. ▪️ فشل اتفاقيات السلام هو انعكاس للفشل العام في كل المجالات، لا يمكن أن ينجح سلام دون تنمية ولا يمكن أن تنجح تنمية في إقليم معين دون نجاحها في بقية البلاد. ▪️ التعامل مع اتفاقيات السلام بفهم تكتيكي لمصلحة السلطات الحاكمة وليس لمصلحة البلد مما يجعل البعد الانتهازي حاضراً في هذه الاتفاقيات. ▪️ في الغالب لا تتم هذه الاتفاقيات نتيجة قناعة بالسلام بقدر ما تكون نتيجة لتوازن الضعف الذي أصاب أطراف الصراع مع قوة دفع خارجية تضع الأطراف على مائدة التفاوض…

 

  • كيف استطاعت الحركة النقابية الصمود في وجه “التجريف” الذي مارسه نظام الإنقاذ، وما هي طبيعة التحدي الذي واجهته؟

 

صمود النقابات ارتبط بوجود المؤسسات من جهة، وكذلك ضرورة وجود التنظيمات النقابية بحكم التحديات الكبيرة التي تواجه العاملين في القطاع العام.. معروف أن مؤسسات القطاع العام تعرضت لتجريف كبير بحكم أن الإنقاذ عملت على تفريغها من كوادرها الوطنية وتسكين منسوبيها داخل هذه القطاعات.. كذلك العقلية الإنقاذية والتي تستند على فكرة الخصخصة لكل مؤسسات الدولة، وبالتالي شكل هذا الأمر تحدياً وجودياً للعاملين في هذه القطاعات فكان التمسك بتكوين تنظيمات حتى ولو لم تعترف بها الدولة للنضال، ليس من أجل ترقية ظروفهم فقط، ولكن من أجل وجودهم، ولذلك اكتسب النضال النقابي بعداً سياسياً لأن الأزمة أصلاً سياسية..

 

  • دخل السودان في “مأزق الصراع العسكري” منذ ما قبل الاستقلال.. كيف يمكن الخروج منه؟

حقيقة دخل السودان في مأزق الصراع السياسي بأدواته العسكرية منذ ما قبل الاستقلال بتمرد توريت في 55… وهذا الوضع الشائه ارتبط بوجود مؤسسة عسكرية لم تنشأ ضمن النضال الوطني ضد الاستعمار إنما نشأت بقرار من الاستعمار نفسه لخدمة أغراضه.. هذه المعادلة المنحرفة التي نتجت منذ ذلك التاريخ كانت تحتاج إلى تسوية سياسية تاريخية بمعنى أن تكون التسوية السياسية ليست بين الأطراف المتحاربة التي ثبت بالواقع عدم قدرتها على حسم الصراع، ولكنها تسوية شاملة تستوعب كافة قضايا النضال الوطني الأساسية والتي تحتاج إلى توافق شعبي عريض تضع حجر الأساس لانطلاقة وطنية راسخة تغلق للأبد طريق استخدام السلاح في الصراع السياسي. وحتى هذه الح.رب يجب التعامل معها ضمن هذا المفهوم وهي العمل على إيقافها أولاً ثم الدخول في حوارات واسعة لتشكيل مشروع وطني يعمل على الاستجابة لكافة تحديات النضال الوطني.. البعث منذ فترة طويلة ولاستيعابه الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنهكت الشعب السوداني طرح البديل الديمقراطي، بمعنى أن يتم تحقيق أهداف النضال الوطني عن طريق الخيار الديمقراطي والشعبي، نعلم أنه طريق طويل وشاق ولكنه آمن ويضمن مشاركة الشعب في تقرير حاضره ومستقبله، هناك حقائق يجب التركيز عليها:

 – فشل الحكم العسكري أياً كان سواء خلفه قوى سياسية أو حكم عسكري دون خلفية أيديولوجية.

 – فشل الكفاح المسلح في تحقيق أي من أهدافه بل عمّق من الأزمة الوطنية وجعلها أكثر تعقيداً.

 – طوال تاريخ السودان لم يستطع الجيش أو القوى المتمردة من تحقيق نصر حاسم.. هذه الحقائق يجب أخذها في الاعتبار عند النظر حتى للح.رب الحالية..

  • تظل القضية الفلس.طينية حاضرة بقوة في أدبياتكم.. لماذا تعتبرونها “شأناً وطنياً” وما هو تقييمكم لعملية 7 أكتوبر وتأثيراتها؟

 

تكتسب القضية الفلس.طينية أهميتها من كونها تجاوزت الانتماء الجغرافي والحضاري لأمة معينة، فقد أصبحت تمثل ضمير الإنسانية، وبغض النظر عن تراجع الاهتمام بها أو تقدمه فهي القضية المركزية التي تنبني عليها استراتيجيات الدول الكبرى في صراعها المستمر ولذلك حتى تراجعها ليس بعيداً عن خطط واستراتيجيات الدول الكبرى.. الزخم القومي عموماً تراجع لظروف ذاتية موضوعية؛ فقد شهدت المنطقة هجمة شرسة لإضعافها لدرجة استخدام الغزو والاحتلال كما حدث في العراق، مع محاصرة كل الأصوات التي تنادي بالنهوض القومي سواء على مستوى الأفراد أو المنظومات. ▪️ كذلك وعبر عملية التفتيت الذاتي انشغلت الأقطار العربية بأزماتها الداخلية والتي هددت بعض الأقطار في وجودها وسيادتها عبر تسعير الصراعات المذهبية والقبلية والمناطقية… ولذلك تبدلت الأولويات فأصبح الهم الأساسي الحفاظ على الوحدة الوطنية من غول التفتيت، بالإضافة لغياب الحريات التي تعتبر شرطاً أساسياً في تنظيم الجماهير.. أتت عملية 7 أكتوبر البطولية والتي أعادت القضية الفلس.طينية للواجهة رغم الخسائر الضخمة التي دفعها الشعب الفلس.طيني ولكن من الملاحظ أن هناك حالة اختراق استراتيجي لمراكز تأييد الكيان المغتصب مؤسساتياً وشعبياً في أوروبا وأمريكا.. هذا الاختراق المتنامي إذا تم استثماره والبناء عليه سنجد تغييراً كبيراً في المعادلات على مستوى العالم.. من المهم جداً إدراك ارتباط القضية الوطنية بالقضايا القومية، بمعنى آخر أن القضية الفلس.طينية هي شأن وطني بالدرجة الأساس؛ لأن مشروع تفتيت الدولة الوطنية في الأصل هو جزء من تغييب القضية الفلس.طينية ولذلك نرى تدخل الكيان في كل عمليات تشطير الأقطار العربية وكلنا يعلم بدوره البارز في فصل الجنوب وهذه ليست تقديراتنا بل هي اعترافات القادة الجنوبيين بعد أن كانت تل أبيب أول محطة خارجية لسلفاكير لشكر الكيان على ما قدمه -بحسب تعبيره- “لاستقلال” الجنوب.. إذاً محاولات البعض الفصل بين ما هو قومي ووطني يعود لقصر النظر وغياب الرؤية الاستراتيجية.. حتى طرفي الح.رب الآن يتسابقون فيمن سيكون كلب الحراسة الأوفى لمصالح الكيان، والجميع يعلم مستوى الكارثة الوطنية التي أحدثها البرهان وحميدتي بحربهما اللعينة.. لذلك النضال الوطني من أجل الديمقراطية والعدالة والتقدم الاقتصادي وترسيخ الوحدة الوطنية ومحاربة وفضح مشاريع التفتيت كلها تصب في مصلحة القضية القومية بتحرير فلس.طين.

  • كيف تصنفون المناهج المتبعة حالياً في التعامل مع قضية فلس.طين، خاصة دعوات “التطبيع”؟

 

هناك منهجان خاطئان في التعامل مع القضية الفلس.طينية: 1/ منهج انعزالي يعتقد بأنها شيء لا يخصنا والوقائع أثبتت تشابك الوطني مع القومي.. 2/ منهج يدعي البراغماتية ولا يجد غضاضة في عملية التطبيع تحت عنوان المصلحة الوطنية مع أن كل تجارب التطبيع لم تقدم أي فائدة لهذه الأنظمة أو البلدان إنما عرضتها لعملية اختراق رأسي أمنياً واستخباراتياً..

 

  • التدخل الخارجي في الشأن السوداني ليس جديداً، لكنه وصل ذروته الآن.. كيف تطورت هذه العلاقة بالخارج وما هو السبيل للتعامل الصحيح مع المجتمع الدولي؟

 

تاريخياً كان هناك تأثير تختلف درجة قوته في مسار السياسة السودانية، ونلحظ ذلك منذ ما قبل الاستقلال وتوجد كتلتان أو رؤيتان توزع بينهما الناس، وهي رؤية الاتحاد مع مصر وكانت تمثلها الأحزاب الاتحادية وخلفها طائفة الختمية وكانت مدعومة من مصر، وكتلة الاستقلال أو ما عرفت بشعار السودان للسودانيين وهذه الرؤية كان يمثلها حزب الأمة وكيان الأنصار ومدعومة من بريطانيا، ثم كانت التأثيرات في عهد عبود وكذلك نميري وخاصة بعد اندلاع ح.رب الجنوب واستمر الحال حتى هذه اللحظة، والسبب في تقديري هو استمرار الأزمات وتناسلها من جهة والعجز عن حلها من جهة أخرى.. كذلك البحث عن الشرعية من الخارج خاصة في ظل حكومات الاستبداد… وكانت الحروب هي أكبر الأزمات في استدعاء التدخل الخارجي وهذه مسألة مفهومة.. بالتالي هناك حقائق مهمة يجب التعامل معها وهي: ▪️ أننا لا نعيش في جزيرة معزولة.. ▪️ أن العجز عن إدارة أزماتنا الداخلية هو سبب أساسي في التدخلات الخارجية. ▪️ غياب الحريات والمشاركة الشعبية في تحديد مسار تطور البلاد يتم تعويضه باستجداء الدعم الخارجي لصناعة شرعية زائفة.. هناك منهجان خاطئان في التعامل مع المجتمع الدولي: 1/ العداء المطلق مع الجميع. 2/ الاتكاء بشكل كامل على الخارج في عملية البناء والتنمية في البلاد. لذلك التعامل النموذجي مع الخارج يكون حول: ▪️ اتفاق الجميع على ثوابت وطنية. ▪️ إبعاد السلاح في الصراع والتنافس السياسي. ▪️ صناعة شراكات اقتصادية مع دول العالم تقوم على مصالح البلاد العليا…. ▪️ عدم الانحياز لأي طرف في الصراع الدولي.. ولكن بحكم غياب التوافق الوطني الداخلي والانقسام المجتمعي الذي ساهمت فيه الح.رب.. علينا التعامل مع المجتمع الدولي بالقدر الذي يخدم مصالحنا الوطنية ويمثل إيقاف الح.رب الآن المصلحة الوطنية العليا والتي عبرها نستطيع كقوى مدنية وسياسية أن نعمل على توحيد الجبهة الداخلية حول برنامج وطني ينظم العلاقة مع الخارج..

  • بالانتقال إلى تجربتكم الشخصية، كيف أثرت سنوات الدراسة في مصر على تكوينكم الفكري والسياسي؟

 

كنت محظوظاً جداً بالدراسة في مصر وفي فترة كان فيها الصراع السياسي والفكري في أعلى مستوياته.. وتعتبر فترة الدراسة في مصر نقلة نوعية ضخمة في حياتي على كافة المستويات. فقد انتقلت من إحدى قرى الجزيرة لأجد نفسي فجأة في القاهرة، تلك المدينة المدهشة؛ سبق حضوري للقاهرة قراءات كثيرة في الأدب المصري وفي كل ضروب الثقافة المصرية.. كنت أحس أن البلد ليست غريبة عني، فلقد عرفت حواريها في قصص نجيب محفوظ ويوسف السباعي وغيرهم. وكنت أصلاً مولعاً بالموسيقى الشرقية فكنت من محبي أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد منير ووردة وأغلب رواد الغناء في مصر… البيئة الطلابية في مصر كانت خصبة ومتماسكة جداً، وكانت تموج بالتيارات الفكرية والسياسية المختلفة من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وكان اهتمامنا بالصراع الفكري أكثر من الصراع السياسي؛ لأننا عكس نظرائنا في الجامعات السودانية والذين كان أغلب اهتمامهم بالقضايا السياسية اليومية بحكم ملامستهم أكثر لواقع ومعاناتهم المباشرة لكل قرار سياسي. ولذلك أعتقد أن كوادر الأحزاب التي تكونت في البيئة الطلابية في مصر أكثر تميزاً في الجوانب الفكرية من الجوانب السياسية.. بالإضافة إلى أن تعيش خارج بلدك ومع جنسيات مختلفة أعتقد أنها تجربة تجعلك أكثر مرونة وانفتاحاً وتفاعلاً، خاصة أن القاهرة كانت المركز العربي الأهم لكل الفعاليات السياسية والفنية، فأنت تجد نفسك يومياً داخل المجتمع العربي كله بأزماته وفنونه وطموحاته وانكساراته..

 

  • وتجربة الاغتراب في الخليج، ماذا أضافت لك وماذا خصمت منك، وكيف تقارنها بواقع السودان الحالي؟

 

تجربة العمل في الخارج (الاغتراب) تجربة تضيف وتخصم من الإنسان.. صحيح يتم التعرف على أنماط جديدة من الحياة خاصة أن دول الخليج تعتبر عالماً مصغراً فأغلب جنسيات العالم متواجدة في الخليج، وهذا التنوع صنع لغة واحدة هي خليط من العربية والإنجليزية والهندية وإلى آخره؛ لا تحتاج أن تكون لديك معرفة باللغات بل تتعلم مهارة تركيب الجمل لكي يفهمك من تتحدث معه.. في الاغتراب هناك الانضباط والالتزام تجاه العمل ولكن تجد نفسك في روتين وساقية لا تنتهي من دورة العمل لا تتغير ملامحها كثيراً.. بالتأكيد عندما ترى الاهتمام بالإنسان والبنية التحتية تتأسف لحال وطنك وكيف يفكر الناس يومياً في تطوير شيء ما والناس في السودان مشغولون بـ”البل واليغم” واستلام حي وتدمير كم عربية والناس يتجادلون من “عرد” ومن لم “يعرد”؛ تحس بالمأساة التي يعيشها أهلنا في السودان مع أنهم يمتلكون الثروات والعقول التي يمكنها أن تبني، ولكنه الاستبداد ومصالح مجموعات صغيرة تمتلك السلاح والقوة أضاعت علينا كل شيء في سبيل السلطة والثروة..

 

  • الح.رب كحدث زلزالي، كيف أثرت في رأيكم على البنية الاجتماعية السودانية وعلاقات المكونات فيما بينها؟

 

الح.رب كحدث ضخم ومزلزل أكيد له تأثيرات شاملة.. لكن تأثيرها المدمر هو على مؤسسات الدولة، لكن على مستوى البنى الاجتماعية هناك مستويان من التأثير.. في غياب مؤسسات الدولة وغياب دورها في الحماية والخدمات تقوى في الجانب الآخر العلاقات داخل القبيلة والأسرة كعنصر تعويضي وملأ للفراغ الذي يتم من غياب دور مؤسسات الدولة، بل حتى الولاء للدولة يتناقص في مقابل ازدياد الولاء للقبيلة والأسرة والبنى الاجتماعية الصغيرة. المستوى الثاني وهو التأثير على علاقة البنى الاجتماعية فيما بينها؛ فالح.رب قد أثرت بشكل سلبي في العلاقات البينية بين القبائل وأصبح الاصطفاف بين طرفي الح.رب هو الحاكم في كثير من علاقات القبائل مع بعضها البعض، خاصة بعد تنامي خطاب الكراهية الذي استخدمه كل من طرفي الح.رب….. المعلوم بالضرورة أنه في حالة الخطر هو لجوء الناس لدوائرهم الأصغر كآلية للحماية والدفاع عن النفس.. ولذلك شاهدنا نماذج مشرقة للتضامن بين الأسر لتجاوز المحنة.. على مستوى المهن كان هناك تباين في التعامل معها وبالتالي لا نستطيع التعميم.. هناك من استغل ظروف الح.رب للتربح والتكسب وهناك من قدم تضحيات كبيرة وصلت للتضحية بالنفس في سبيل خدمة الناس، كما حدث لكثير من زملائنا الأطباء الذين استشهدوا وهم يؤدون واجبهم في ظروف أمنية صعبة وهناك من تم خطفه وأسره..

 

  • ما هو الدور الذي يلعبه “مكتب العلاقات الوطنية” داخل حزب البعث، وكيف ينظر للآخر السياسي والاجتماعي؟

 

يمثل مكتب العلاقات الوطنية ركيزة مهمة في حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو يعمل على قاعدة التغذية والتغذية العكسية مع الآخر سواء كان اجتماعياً أو سياسياً، ويعبر هذا المكتب في جوهره عن أهمية الآخر في فكر البعث وحركته نحو أهداف الجماهير والتي لا يمكن لحزب منفرد أن ينجزها. فقراءتنا للواقع تقول إن المهام التي تجابهنا في أساسها تشبه مهام العبور، وهي من أصعب وأعقد المهام ولذلك تحتاج لجهد الجميع وقدرات الجميع.. ولذلك اكتسب مكتب العلاقات الوطنية أهمية استثنائية داخل المنظومة الحزبية، وهو لا يحصر دوره في التواصل مع القوى السياسية والمدنية الأخرى بل يمتد إلى جميع مكونات البلاد الاجتماعية والاقتصادية؛ لأن التعامل مع الواقع وعناصره من الأهمية بمكان، والأهم من ذلك هو كيفية التعامل والتعاطي مع المجتمع والواقع..

  • في ظل الح.رب الممتدة، وتفكك الدولة، وتدويل القرار السوداني، كيف ترون “ميثاق الوطن الجديد” كمخرج؟

 

من الواضح أن صوت السلام بدأ في التجلي والإفصاح مع انحسار واضح لصوت الح.رب.. ومن الواضح أيضاً أن التوازن بدأ في التحقق داخل تفكير المواطن السوداني بعد أن أدت صدمة الح.رب إلى هزة عميقة أدت لفقدان الأغلبية لتوازنهم، وهذا الأمر مرده للطبيعة البشرية التي تنحو نحو السلام، وكذلك انكشاف الأكاذيب حول النصر القريب وانكشاف أن هذه الح.رب يموت فيها أبناء الكادحين الذين اكتشفوا أن هذه ليست حربهم وهم فقط من يدفع ثمن أحلام وطموحات من أشعلها… وقد سبق أن وصفنا هذه الح.رب عسكرياً بأنها ح.رب تبادل السيطرة وليس فيها منتصر…. بالتأكيد كان تحرك قوى الرباعية باتجاه إيقاف الح.رب له التأثير المباشر في الإفصاح عن رغبة المواطن في السلام وإيقاف الح.رب.. وستكون هناك مقاومة شرسة من تحالف المصالح وفي قلبه الحركة الإسلامية لأي مسعى للسلام، ولكن ميزان القوى الآن يتجه نحو قوى السلام.. وفي الآونة الأخيرة مثّل إعلان مبادئ ميثاق الوطن الجديد الذي وُقّع في نيروبي وضم أغلب القوى السياسية والمدنية الرئيسية في البلاد، قفزة نوعية نحو تشكيل كيان موحد يعمل على ترجمة طموحات وأهداف الشعب السوداني في إيقاف الح.رب والسلام والحفاظ على وحدة وسيادة البلاد، وتحصين البلاد من أي انحراف ينتج من خلال تسوية فوقية تعبر فقط عن مصالح القوى الخارجية. لذلك أتصور أن أهم منجز للقوى السياسية والمدنية في الفترة الأخيرة هو التوقيع على ميثاق الوطن الجديد، والذي أعتبره خطوة ومدماكاً في سبيل إنجاز أكبر كتلة شعبية مدنية لإيقاف الح.رب ورسم مستقبل البلاد؛ ولذلك الجميع الآن مطالب بالتحرك نحو كل قطاعات الشعب السوداني وفئاته في الداخل والخارج وشرح بنوده وأهدافه، لأنه ببساطة الأمل الوحيد الآن للسودانيين في إيقاف الح.رب بشكل نهائي وعدم تجددها بالإبقاء على أسبابها عبر التسويات الفوقية التي تعمل كمسكنات لأعراض المرض ولا تعالج أسبابه. وكما قيل في الأثر: “ما حك جلدك مثل ظفرك”، ولنا في تاريخ الحروب والاتفاقيات في السودان عبرة لمن يعتبر..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.