أمجد أحمد السيد
في كل مرة يعود فيها السودانيون إلى أغنية “قمر دورين”، لا يستدعون لحنًا جميلًا أو نصًا شعريًا باذخ الصور فحسب، بل يستحضرون وطنًا كاملًا، بتفاصيله الصغيرة والعميقة، وبحلمه المؤجَّل في الحرية والكرامة. هذه الأغنية، التي كتبها ولحّنها وغنّاها الأستاذ الفنان الراحل عبد الكريم الكابلي، تبدو اليوم وكأنها نشيدٌ وجداني لثورة ديسمبر، حتى وإن سبقتها بسنوات طويلة؛ لأنها تنتمي إلى ذلك الوعي العميق الذي يرى الوطن لا بوصفه جغرافيا صامتة، بل كائنًا حيًا يتنفس في الناس والطبيعة والذاكرة.
منذ السطر الأول: “يا قمر دورين.. أنا شفتك وين”، ينقلنا الكابلي من المجاز إلى الوطن. فالقمر، رمز الجمال والصفاء، لا يُرى في السماء وحدها، بل يتجلّى في ضفائر النيل، وفي رمال سهرانة وراجياك تسيل، وفي دموع الساقية التي يرنو إليها النخيل. هنا لا ينفصل الجمال عن المعاناة، ولا الطبيعة عن الإنسان. وهو ذات المعنى الذي حملته ثورة ديسمبر: أن الوطن ليس خطابًا سياسيًا، بل حياة يومية؛ تعبٌ وأمل، دمعة وتهليل.
يواصل النص ربط الوطن بالناس: “في وجوه فرحانة عامرة بالتهليل، في عيون نعسانة غارقة في التكحيل”. هذه الوجوه هي ذاتها التي خرجت في ديسمبر، متعبة ولكنها مفعمة بالأمل، منهكة من القهر لكنها مشحونة بالإيمان بالتغيير. ولذلك تأتي اللازمة الحاسمة: “وكل ديل في وطني، بحبك يا وطني، بعزك يا وطني”. حب الوطن هنا ليس شعارًا، بل خلاصة رؤية ترى الوطن مجموع ناسه، لا سلطةً فوقهم ولا قيدًا عليهم.
وعندما يقول الكابلي: “شمس الصباح والصباح رباح، شمسك يا وطني”، فإنه يضع الوطن في مواجهة الليل، تمامًا كما فعلت ديسمبر حين واجهت عتمة الاستبداد. فالصباح في الأغنية ليس زمنًا، بل وعدًا. وطعم النجاح الزانو كفاح هو تعريف دقيق لما عاشته الثورة: نجاح لا يأتي بلا تضحية، ولا معنى له إن لم يُعمَّد بالكفاح.
الأكثر عمقًا في الأغنية ذلك المقطع الذي يربط الجراح بالأمل: “حتى الجراح الزمانن راح مهرك يا وطني”. كأن الكابلي يقول إن الألم ذاته يمكن أن يتحول إلى مهرٍ للحرية، وإن التضحيات، مهما كانت قاسية، ليست هدرًا إذا قادت إلى وطنٍ يستحق. أليست هذه هي روح ديسمبر، التي قدّمت الشهداء والجرحى والمعتقلين، لا عشقًا في الألم، بل إيمانًا بأن الوطن الكبير لا يُبنى بثمنٍ زهيد؟
وفي النداء الجماعي: “شيلوه وزيدوه وطن الجمال.. علّوه وخلّوه في عين المحال.. أبنوه ومِدّوه بالمال والعيال.. زيديوه وأبنوه بعزم الرجال”
نسمع بوضوح خطاب الفعل لا التمنّي. إنه مشروع وطني كامل، يقوم على البناء والعمل والمسؤولية الجماعية. وهذا بالضبط ما طرحته ثورة ديسمبر في لحظاتها النقيّة: الانتقال من الشكوى إلى الفعل، ومن انتظار المنقذ إلى الإيمان بالقدرة الجماعية على التغيير.
تبلغ الأغنية ذروتها الأخلاقية حين يقول: “بأملنا وبعملنا، وبالمحنة، وبوفا النيل في دمانا، نبني جنة”. فالوطن لا يُبنى بالأحلام وحدها، ولا بالشعارات، بل بالأمل المقرون بالعمل، وبالاستعداد لتحمّل المحن. وهذا هو درس ديسمبر الأكبر، الذي ما زال صالحًا رغم الـ ح.رب والانكسارات: أن الطريق طويل، لكنه يستحق.
إن استدعاء “قمر دورين” في ذكرى ثورة ديسمبر ليس فعلًا عاطفيًا فقط، بل قراءة في نصٍ سبق زمانه، وتنبأ بوطنٍ لم يولد بعد: وطن عندي كبير وحبّه كتير. وطن يستحق القومة من أجل حريته وكرامته. وبين أغنية الكابلي وثورة ديسمبر، خيطٌ واحد لا ينقطع: الإيمان بأن السودان، رغم كل ما يمر به، ما زال قادرًا على أن يكون “قمرًا بدورين”.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالكريم_الكابلي #ثورة_ديسمبر #قمر_دورين #السودان_الجميل #أغاني_وطنية

Leave a Reply