عبد القادر سالم: الرجل الذي عاش حتى آخر قطرة

صحيفة الهدف

سهل الطيب

عندي طريقة بستخدمها مع صباع اللون وصباع المعجون. ما بحب الضغط على الصباع من الوسط؛ دائمًا ببدأ الضغط من الخلف. بظل أضغط وأستخدم اللون بطريقة منتظمة وحريفة، ومرات ببدأ أطوي الصباع عشان أستحلبو بالطريقة القصوى. لو عاينت للصباع من قدّام تلقاه محتفظ بهيبتو وجمالو ونضارو ونضافتو، كأنو صباع جديد، ما معفص من الخلف.

بسخر من الصباعات المهملة المضغوطة بشكل عشوائي. صاح الصباع الملان بديك، ولو ضغطتو من أي اتجاه، لكن في النهاية صعب تستحلب كل ما فيهو.

الحياة برضو دايرة كده، لأننا ساعات رملية وبننتهي في النهاية. جوانا كبشر مهام كتيرة مفروض ننجزها عشان نكون عشنا صاح.

عبد القادر سالم طبّق نظرية صباع المعجون؛ كان يظهر قدّامنا بكامل الأناقة والعنفوان، ويخفي جانبو الخلفي المضغوط. زول من البداية عرف نفسو فنان، ومشى في رسالتو بكل حزم وعزيمة. رسالتو ما كانت بس: “أنا أغني وأنتج عمل فني”، بل أبقى جسرًا كاملًا ما بين كردفان والعالم، مرورًا بمدرسة فرقة فنون كردفان (أنا بسميها مدرسة وبشوفها، من خلال ما أنتجتو، قد تحولت لمدرسة فنية كاملة الملامح والتفاصيل). ما علينا، ودا رأي شخصي. عبد القادر سالم رسالتو ما كانت إنتاج فن فقط، بل عاش بالفن وأخلص ليهو تمامًا.

عبد القادر سالم عاش بطريقة صباع المعجون في الوسط دا، ويمكن في تفاصيل كتيرة من حياتو حتظل مخفية لأنها اتعملت عشان تكون مخفية. مثلًا: عازف واقف في هامش حفلة أو بروفة، شايل روشتة تقيلة بتاعة واحد من أسرتو، وظرف فيهو مبلغ محترم بنتقل خلسة عشان يصل أسرة فنان راحل. ومجابدات تمتد شهور عشان ينجز هدف من أجل مجموعة معينة. (حاجات عجيبة ومخفية عند الزول دا).

في بداية الـ ح.رب مشيت زرتو في مستشفى النو بعدما اتلقيت رسالة بخصوص تذاكر اتقدمت ليهو. المهم ما علينا. أول ما خشيت ليهو الغرفة، وحالتو أبدًا ما مستقرة، ناداني أجيهو قريب وهمس لي إنو كان بتكلم مع عركي بخصوص عازف مفترض يتلما على أسرتو في القاهرة، وقاعدين يجمعوا ليهو دعم مادي. شوف بالله: زول راقد في مستشفى، وحالتو جايطة، ويتكلم مع عركي الكان محاصر مع الدعامة. ولسه في ناس مفتكرة الفن لعب وجنصصة.

مرات بتموت وجواك حاجات كتيرة ما عملتها عشان إنت كسلان، ومرات بتستحلب كل قطرة جواك وتسعى في تقديم الخير لغيرك. ما كل موت موت. عبد القادر سالم ما مات بقدر ما قدّم كل العندو، وأفرغ نفسو من كل المهام المفروض تنجز. حتى في لحظاتو الأخيرة التزم برسالتو. شاف الجفاف البدأ يشتغل في الأطراف، ورغم ذلك ظل مشتعل في الجزء الأمامي، وماشي بسرعة الصاروخ.

شفتو لما تجيهو العطايا ويوزعها في مظاريف صغيرة تطير وتَرِك عند كل صاحب حوجة. لاقيتو ماشي كداري في شقلبان، وسألتو: الجابك شنو من مصر؟ قال لي: ما بقدر أعيش غير هنا. تاني يوم مشيت ليهو قالوا لي مرق. اتصلت، لقيتو عند ميكانيكي جنب صابرين، بصلّح في العربية.

زول بعرف يعصر صباع المعجون من بدايتو، وبعداك يبدأ يطوي الجزء الفاضي. يجيك مشعلل نشاط وحيوية، وتشوف غطاية الصباع نظيفة وأنيقة. يحتال عليك عشان ما تشوف الجزء المعصور والمطوي.

ما مات.. كمل. الكملان الواحد دا. ربنا يرحمك يا دكتور، ويوسدك الباردة. كلام كتير قلناهو مع بعض، حقنا برانا، وما في زول يستحق يسمعو،كما العهد بيناتنا. مع السلامة. ما اتصورنا مع بعض، مع إني صورتك كتير. هو نحنا كنا فاضيين؟

 

#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالقادر_سالم #كردفان #فن_سوداني #وفاء #الفنان_الإنسان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.