وهْم التعايش السلمي مع الكيان الصهيوني!

صحيفة الهدف

د. محمد المقاطع

تعالت أصوات عربية منادية بالسلام والتعايش السلمي مع الكيان الصهيوني، شريطة إقامة الدولة الفلس.طينية على حدود ما قبل عام 1967، وفقًا للقرار (242) الصادر عن مجلس الأمن. وقد بدأت ملامح هذا الطرح منذ أواخر عام 1969 وبداية عام 1970، في عهد جمال عبد الناصر. غير أنّ هذا الطرح ينطوي على وهمٍ عميق، إذ يتجاهل، أو يتعمّد إغفال، الحقائق التوسعية البنيوية للكيان الصهيوني، كما يتغافل عن الواقع الجيوسياسي للمنطقة، وعن الأهداف المعلنة لهذا الكيان اللقيط.

وقد مرّت هذه الأطروحات بمراحل وتحولات متعدّدة امتدت لأكثر من ستة وخمسين عامًا، أي ما يفوق عمر الكيان الصهيوني نفسه. وعلى اختلاف أشكالها، ظلّ القاسم المشترك بينها هو التعاطي مع وهم التعايش، ومحاولة تجميله وترويجه عبر مساحيق سياسية مختلفة، إمّا بدافع الإحباط، أو القبول القسري، أو الخوف، أو التردّد، أو الخضوع للضغوط الأميركية. يمكن تتبّع هذه التحولات عبر سبع مراحل رئيسية:

بدأت المرحلة الأولى بالترويج لفكرة التعايش وقبول الأمر الواقع الذي رعته وأشرفت عليه بريطانيا والولايات المتحدة، وتُوّج ذلك بصدور القرار (242)، ليشكّل نقطة الانطلاق الفعلية لتأمين الكيان الصهيوني سياسيًا.

ثم جاءت المرحلة الثانية، التي رُوّج فيها للتعايش السلمي بوصفه وسيلة لتجنّب مزيد من الـ ح.رب التي أرهقت المجتمعات والدول العربية، وامتدت هذه المرحلة من عام 1968 حتى عام 1978، وشملت ح.رب عام 1973.

في المرحلة الثالثة، بدأت عملية التمهيد العلني للتحوّل نحو التطبيع، عبر أطروحة (الأرض مقابل السلام)، التي روّج لها الأميركيون والأوروبيون، وتبنّاها الرئيس المصري أنور السادات، بزيارته للكيان الصهيوني وتوقيعه اتفاقيات السلام، وصولًا إلى اتفاقية (كامب ديفيد) عامي 1978 و1979.

أما المرحلة الرابعة، فشهدت توسيع دائرة اتفاقيات السلام، وبدء التداول الرسمي لمفهوم التطبيع العربي في أروقة القمم والاجتماعات العربية، ما أحدث انقسامًا عربيًا بين مؤيّد ومعارض. وفي هذا السياق، ظهرت أنماط متعددة من التقارب، وانتهى الأمر بتوقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن والكيان الصهيوني.

وبالتوازي مع ذلك، برزت في المرحلة الخامسة مطالبات بتدعيم فكرة إقامة الدولة الفلس.طينية، وظهرت مبادرات عربية هدفت إلى رفع الحرج عن الدول الساعية لإبرام اتفاقيات سلام. وقد أفضت هذه المسارات، بعد مفاوضات طويلة، إلى اتفاق أوسلو عام 1993، الذي روّج له البعض بوصفه إنجازًا تاريخيًا، رغم كونه عمليًا مدخلًا لتصفية الوجود الفلس.طيني تحت غطاء إقامة سلطة محدودة الصلاحيات.

في المرحلة السادسة، استُخدمت اتفاقية أوسلو ووجود السلطة الفلس.طينية، ومنحها إدارة محلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مبرّرًا لتوسيع مسارات التطبيع. وترافق ذلك مع تبنّي مبادرة عربية جعلت من إقامة دولة فلس.طينية على حدود يونيو 1967 ركيزة ثابتة، في وقت توالت فيه اتفاقيات السلام والتطبيع من قبل عدد من الدول العربية.

أما المرحلة السابعة، فتمثلت في بوادر توسيع وترسيخ التطبيع على نطاق أوسع، في مقايضة واضحة على وهم إقامة الدولة الفلس.طينية، في تناقض صارخ مع الواقع التوسعي للكيان الصهيوني في الضفة الغربية، وبناء المستوطنات، وتكريس نظام الحواجز والعزل العنصري. وتزامن ذلك مع محاولات تصفية القضية الفلس.طينية، ونقل السفارات إلى القدس، وتهجير الفلس.طينيين، تمهيدًا لما عُرف بـ(صفقة القرن).

في ظل هذه الأجواء، جاء حدث (طوفان الأقـ.ـصى) ليُحدث تحوّلًا حقيقيًا في مسارات التطبيع، ويغيّر المزاجين العربي والإسلامي، الشعبي والرسمي، بفعل حجم الجرائم المرتكبة في غـ.ـزة وبشاعتها. وقد أدّى ذلك إلى تعطيل عدد من مشاريع التطبيع وعرقلتها.

ورغم ذلك، لا يزال بعضهم يركض خلف وهم التعايش السلمي، استجابةً لضغوط أميركية وأوروبية، أو استسلامًا لواقع يحاول الكيان فرضه بالقوة. غير أنّ المطمئن في المقابل هو بروز تيار فلس.طيني وعربي وإسلامي متنامٍ، مناوئ لهذا الوهم، بعد أن تكشّفت نوايا الاحتلال، وتبيّن أن الكيان الصهيوني قد تنكّر وانقلب على جميع الاتفاقيات التي أُبرمت معه.

وعليه، فإن الاندفاع وراء وهم لا يمتّ للواقع بصلة، ولا يستند إلى معطيات حقيقية، لم يعد إلا تكرارًا لفشلٍ مجرَّب، وخسارةٍ مؤكدة.

  • كاتب من الكويت

#ملف_الهدف_الثقافي #القضية_الفلسطينية #لا_للتطبيع #الكيان_الصهيوني #طوفان_الأقصى

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.