لماذا لم يُدرج (الدعم السريع) كمنظمة إره.ابية؟: تفكيك السؤال بين السياسة والقانون والح..رب

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة                    . أ ماجد الغوث

تمهيد: في قلب الجدل السوداني المحتدم، يطفو سؤال يبدو بسيطًا لكن إجابته معقدة: لماذا يُستهدف (الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني)، بتصنيف إره.ابي بينما لا يُطبق ذات التصنيف على (الدعم السريع) رغم فظائعها الموثقة؟ الإجابة لا تكمن في (مؤامرة) أو (انحياز) بسيط، بل في فهم ثلاث طبقات منفصلة لكن متداخلة: القانون، السياسة، وآلية الح.رب نفسها. الخلط بينها يحول النقاش من أداة فهم إلى أداة تضليل. هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يعكس خلطًا واسعًا بين مفاهيم قانونية وسياسية مختلفة، ويُستَخدم أحيانًا كسلاح في معركة الروايات، لا كمدخل للعدالة.

1. التمييز الجوهري بين الإره.اب والح.رب:

أ‌. الإره.اب في القانون الدولي ليس توصيفًا أخلاقيًا، بل تصنيف قانوني دقيق، يقوم على عناصر محددة، أهمها:

– استهداف المدنيين خارج سياق نزاع مسلح معترف به.

– غياب صفة الطرف المتحارب) خارج إطار نزاع).

– استخدام العنف لتحقيق أهداف أيديولوجية أو سياسية عبر بث الرعب.

ب‌. أما الح.رب – حتى عندما تكون عبثية، إج.رامية، أو غير مشروعة أخلاقيًا – فهي:

– نزاع مسلح بين أطراف تملك قدرة عسكرية منظّمة،

– وتخضع – نظريًا – لقانون النزاعات المسلحة.

– ما يفتح باب ج.رائم الح.رب والج.رائم ضد الإنسانية، لا تصنيف الإره.اب تلقائيًا.

الخلاصة الأولى: ارتكاب فظائع لا يعني تلقائيًا توصيف (إرهاب)، بل قد يعني ج.رائم ح.رب أو إب.ادة، وهي أخطر قانونيًا، لكنها مسار قضائي مختلف.

وقد شهدت نزاعات عديدة هذا الالتباس، كما في حالات لم تُصنَّف فيها جماعات مسلحة ارتكبت فظائع واسعة كـ(إرهابية)، لكنها خضعت لاحقًا لملاحقات أمام المحاكم الدولية بتهم ج.رائم ح.رب وإب.ادة، وهو مسار قانوني أشد وأبقى.

جدول رقم (1): يلخص الفروق الجوهرية

المعيار الإره.اب ج.رائم الح.رب النزاع المسلح غير الدولي

الإطار القانوني قوانين مكافحة الإره.اب القانون الدولي الإنساني

الطبيعة أفعال عنفية منظمة لغرض سياسي/أيديولوجي انت. هاكات قواعد الح. رب خلال نزاع مسلح ق. تال بين دولة وجماعة مسلحة منظمة أو بين جماعات

الهدف المباشر بث الرعب بين المدنيين هزيمة الخصم العسكري السيطرة على الأرض أو السلطة

حالة (الدعم السريع ( (?) لا ينطبق (حاليًا) ✔ ينطبق (مزاعم قوية) ✔ ينطبق بوضوح

2. لماذا تُدان قوات الدعم السريع ولا تُدرج إره.ابيًا؟: لا يوجد أي شك – أخلاقيًا وسياسيًا – في أن قوات الدعم السريع ارتكبت:

أ‌. مجازر بحق المدنيين،

ب‌. عنفًا جنسيًا ممنهجًا،

ت‌. تطهيرًا عرقيًا،

ث‌. تجويعًا متعمدًا،

وهي موثقة دوليًا، وتخضع لمسارات:

أ‌. عقوبات فردية.

ب‌. تحقيقات دولية.

ت‌. وإمكانية ملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

لكنها حتى الآن:

أ‌. تُصنَّف كـ طرف عسكري في نزاع داخلي،

ب‌. لا كتنظيم عابر للحدود،

ت‌. ولا كجماعة أيديولوجية سرية تستخدم الإره.اب كوسيلة استراتيجية.

وهذا لا يمنحها شرعية، بل يضعها في خانة الج.رائم الكبرى داخل نزاع مسلح. فالتركيز الحصري على (تصنيف الإرهاب) قد يحجب مسارات قانونية أكثر فعالية وقوة في حالة مثل الدعم السريع:

أ‌. المحكمة الجنائية الدولية: ج.رائم الح.رب والج.رائم ضد الإنسانية تخضع لاختصاص المحكمة مباشرة، ولا تحتاج لـ(تصنيف إرهاب).

ب‌. العقوبات المستهدفة: تجميد الأصول، حظر السفر على القادة.

ت‌. الولاية العالمية: تسمح لمحاكم دول بمحاكمة مرتكبي ج.رائم دولية حتى لو لم ترتكب على أراضيها.

السؤال الحقيقي إذن: لماذا لا يُسرَّع في هذه المسارات بدلاً من التشبث بـ (شعار) التصنيف الإره.ابي، الذي قد يكون أضعف قانونيًا في هذه الحالة المحددة؟

3. لماذا استُهدفت الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني تحديدًا؟:

جاء اجتماع نيروبي في 16 ديسمبر 2025 بوصفه محطة سياسية–قانونية، لا مجرد لقاء تشاوري، حيث أُعيد تعريف بعض الفاعلين لا كخصوم سياسيين، بل كبُنى منظمة لإنتاج العنف. هنا نصل إلى جوهر اجتماع نيروبي – 16 ديسمبر 2025.فالوثائق والنقاشات، التي فجّرت موجة المذكرات لم تتعامل مع الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني بوصفهم: مجرد تيار سياسي، بل بوصفهم:

أ‌. شبكة أيديولوجية – تنظيمية – أمنية،

ب‌. تعمل خارج مؤسسات الدولة.

ت‌. وتستخدم الح.رب كأداة لإعادة إنتاج السلطة.

فما وُجّه الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني هو:

أ‌. إدارة ح.رب بالوكالة.

ب‌. استخدام مليشيات، تعبئة دينية، وخطاب تكفيري،

ت‌. تعطيل أي مسار مدني أو سياسي.

ث‌. استهداف المدنيين كوسيلة ضغط سياسي.

وهنا يصبح التصنيف الإره.ابي أقرب قانونيًا، لأن:

أ‌. الفعل لم يعد حربًا بين قوتين،

ب‌. بل عنفًا منظّمًا خارج إطار الدولة.

ت‌. لتحقيق مشروع أيديولوجي شمولي.

4. الفرق بين الإدانة السياسية، الأخلاقية، والقانونية: من المهم جدًا توضيح التالي للرأي العام:

أ‌. الإدانة الأخلاقية: واجبة ضد كل من ق.تل المدنيين، دون استثناء.

ب‌. الإدانة السياسية: تُستخدم للضغط والعزل وكشف المسؤولية التاريخية.

ت‌. الإدانة القانونية: لا تصدر إلا عبر: تحقيق، أدلة، مسار قضائي دولي أو وطني.

لا يجوز الخلط بينها، لأن الخلط يُضعف العدالة بدل أن يخدمها.

5. لماذا لا تُدار الح.رب بقرارات سياسية فقط؟: الواقع المؤلم أن ح.رب السودان:

أ‌. لم تعد تُدار سياسيًا،

ب‌. بل أمنيًا – استخباراتيًا. حين تُدار الح.رب أمنيًا، تُختزل العدالة إلى أداة تفاوض، ويصبح القانون جزءًا من ميزان القوة، لا ميزان الحق.

فالتصنيفات الدولية (إرهاب/نزاع/عقوبات):

أ‌. تخضع لحسابات موازين القوى.

ب‌. ومسارات تفاوض.

ت‌. وليس فقط لمعيار العدالة المجردة.

وهذا لا يبرّئ أحدًا، بل يكشف طبيعة النظام الدولي نفسه.

وراء الجدل القانوني، يبقى سؤال السلطة: من يقرر؟ التصنيف الإره.ابي ليس قرارًا قضائيًا محايدًا فحسب، بل هو أداة جيوسياسية تملكها دول ومجموعات دولية:

أ‌. الولايات المتحدة: قائمة الخارجية للإره.اب الأجنبي (FTO).

ب‌. الأمم المتحدة: لجان العقوبات التابعة لمجلس الأمن.

ت‌. الاتحاد الأوروبي: قائمة الإره.اب.

ث‌. دول عربية وإفريقية: قواسمها الوطنية.

كل منها له معاييره وسياقه السياسي. ما يبدو (إرهابياً) في نيروبي قد لا يبدو كذلك في الخرطوم أو القاهرة أو واشنطن. فهم هذه الديناميكية ليس تبريرًا للفظائع، بل إدراكًا لتعقيد المعركة القانونية-السياسية، التي تجري على جثة السودان.>

الخلاصة النهائية: عدم إدراج قوات الدعم السريع كمنظمة إره.ابية لا يعني تبرئتها، كما أن استهداف الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني لا يعني إعفاء بقية الأطراف من المسؤولية. الفرق هنا ليس أخلاقيًا، بل قانوني – سياسي – إجرائي. فالمطلوب ليس سباق تصنيفات، بل: تفكيك بنية الح.رب، ومحاسبة كل من ق.تل المدنيين، وإعادة تعريف الصراع كقضية شعب ودولة لا كمعركة مليشيات.

أما تحويل النقاش إلى: من هو الإره.ابي أكثر؟ فهو انزلاق يخدم استمرار الح.رب، لا إنهاءها.

ما العمل إذن؟ بدلًا من الانحصار في سؤال (من الإرهابي؟)، يمكن تحويل الطاقة إلى مسارات أكثر إنتاجية:

أ‌. التوثيق المنظم: جمع الأدلة على جرائم محددة (قتل، تعذيب، اغتصاب) بمعايير قابلة للمحاكمة.

ب‌. الضغط من أجل مسارات قانونية محددة: المطالبة بإحالة واضحة للمحكمة الجنائية الدولية، أو إنشاء محكمة خاصة.

ت‌. فضح الحسابات السياسية: كشف كيف تستخدم الدول (ورقة التصنيف) كمادة مساومة، لا كالتزام أخلاقي.

التحدي ليس في اختيار (التصنيف الأخلاقي) الأقسى، بل في اختيار (المسار العملي) الأكثر فعالية لإيقاف المجزرة ومحاسبة المج.رمين.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.