الذهب الأخضر المنسي: السمسم السوداني بين التصدير الخام وضياع القيمة المضافة

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار
يُعد السمسم أحد أقدم المحاصيل الزيتية في السودان، وقد حافظ لعقود على مكانة عالية في الأسواق العالمية. ومع ذلك، رغم أن السودان كان يتصدر الإنتاج عالميًا، يعاني اليوم السمسم من التراجع ذاته الذي يطال معظم محاصيل البلاد:إنتاج كبير، وفاقد أكبر، وتصدير خام يبتلع القيمة المضافة ويترك للمزارع أرباحًا زهيدة مقارنة بما يحققه الآخرون من تصنيع وتسويق.
السمسم السوداني، بطيبته وجودته وارتفاع نسبة الزيت فيه، يُباع في الأسواق الدولية ليُعاد تصنيعه إلى زيوت، معاجين “طحينة”، حلاوة ومستحضرات صحية ودوائية، بينما يظل الدور السوداني محصورًا في إنتاج البذرة وحدها، دون امتلاك القدرة على تصنيع المنتج النهائي واستثمار القيمة المضافة.
مناطق الإنتاج وكميات المحصول
ينتشر السمسم في سهل السودان الممتد عبر القضارف وولاية سنار والنيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور، وتُعد القضارف القلب النابض لهذا المحصول بمساحاتها المطرية الواسعة.
يتراوح الإنتاج الكلي في المواسم المستقرة بين 600 و800 ألف طن، لكن ما يصل فعليًا إلى التصدير أقل بكثير بسبب الفاقد بعد الحصاد، سوء التخزين، وتلاعب بعض التجار.
أزمات الزراعة من البذرة حتى الحصاد
تبدأ المشكلات من التقاوى المحسّنة المحدودة والمتقادمة، وغياب برامج تطويرية لمواجهة الآفات الزراعية.
أبرز التحديات:
– اعتماد الزراعة التقليدية وضعف نظم الإرشاد الحديثة.
– الاعتماد على الأمطار في مناطق تتكرر فيها موجات الجفاف.
– تناقص خصوبة التربة وغياب برامج إدارتها.
– ذبابة السمسم التي تحوّل حقولًا كاملة إلى بلا محصول.
– ارتفاع تكاليف العمالة ونقص الآلات المناسبة للحصاد، ما يزيد الفاقد ويقلل الجدوى.
– في كثير من الحالات، يضطر المزارع إلى بيع إنتاجه مبكرًا وبأسعار منخفضة لتغطية ديون الموسم، فيتكرر الفقر كجزء من دورة الزراعة نفسها.
النقل.. ثروة تهتز على الطرق الوعرة
رحلة السمسم إلى الموانئ والأسواق صعبة وحساسة، حيث تعاني الشاحنات من سوء التجهيز وتعرض المحصول للغبار والرطوبة، مع تكدس في الموانئ وارتفاع تكاليف النقل، ما يقلل جودة السمسم عند وصوله للأسواق الدولية.
التخزين والتجارة.. الفجوة التي تبتلع الأرباح
يفقد السودان جزءًا كبيرًا من قيمة السمسم بسبب التخزين في بيئات غير مناسبة وانتشار الحشرات، بينما تواجه التجارة تحديات مثل:
– غياب بورصات منظمة تحمي المزارع من تقلبات الأسعار.
– انتشار المضاربات والاحتكار.
– تصدير السمسم دون فرز فعلي، ما يضعف التنافسية.
– نقص معامل الفحص المعتمدة دوليًا، ما يؤدي إلى رفض الشحنات أو خفض قيمتها.
إمكانات التصنيع المهدرة
القيمة الحقيقية للسمسم تكمن في منتجاته النهائية:
– زيوت غذائية وصناعات دوائية.
– طحينة وحلاوة شعبية مطلوبة.
– مستخلصات طبية وتجميلية.
– أعلاف ومخلفات زراعية تعزز الثروة الحيوانية.
القيمة المضافة لهذه الصناعات تتراوح بين 6 و12 ضعفًا مقارنة بتصديره خامًا، لكن السودان يفتقر إلى عدد كافٍ من المعاصر الحديثة والمصانع المتكاملة.
خاتمة وتوصيات:
لإنقاذ السمسم من التراجع والفاقد، يجب:
– إنشاء برامج بحثية لتطوير التقاوى ومكافحة الآفات.
– تحديث نظم الزراعة وإدخال آليات حصاد تقلل الفاقد.
– بناء مراكز تخزين حديثة داخل مناطق الإنتاج.
– تطوير شبكة الطرق لتسهيل النقل إلى الموانئ.
– إقامة معامل فحص معتمدة دوليًا لتحسين جودة الصادرات.
– دعم التصنيع المحلي للزيوت والطحينة والحلاوة والمستحضرات الغذائية.
– إنشاء بورصة سمسم حقيقية لتنظيم السوق وحماية المنتجين.
إن تحويل السمسم من محصول يُصدَّر خامًا إلى صناعة متكاملة قادرة على خلق الوظائف وتثبيت المجتمعات الريفية هو فرصة وطنية يجب اقتناصها. فالذهب الأخضر ليس مجرد ثروة زراعية… بل فرصة استراتيجية للنمو الاقتصادي المستدام.

#ملف_الهدف_الاقتصادى

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.