طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
مقدمة: لطالما جرى النظر إلى القطاع الخاص بوصفه آلة تعمل بوقود الربح، تتحرك ضمن نماذج خطية داخل عالم محدود الموارد. لكن اللحظة البيئية الراهنة، وما تُحدثه من تحولات في المناخ والطاقة والموارد، تدفعنا إلى إعادة تعريف جوهر النشاط الاقتصادي ذاته.
فالاقتصاد الأخضر ليس قطاعًا إضافيًا يُضاف إلى قائمة القطاعات، بل منهج فلسفي جديد نطلّ منه على العالم، يعيد صياغة معنى القيمة، والإنتاج، والربح. وهنا، لا يمثّل القطاع الخاص مجرد مؤدٍ في مسرحية التغيير، بل يصبح كاتب دورٍ جديد لم يكن موجودًا من قبل: دور الشركة بوصفها كائنًا وجوديًا يبتكر معنى وجوده من خلال أثره الأخضر.
أولًا: الالتزام الوجودي للشركات، لماذا الآن؟
من المسؤولية الاجتماعية إلى البقاء الوجودي:
تجاوزت الشركات مرحلة النظر إلى الاستدامة باعتبارها نفقات إضافية أو نشاط علاقات عامة. أصبحت الاستدامة اليوم شرطًا للبقاء في نظام اقتصادي تتفتت فيه الحدود بين الخسارة المالية والخسارة البيئية.
تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية (2024) يؤكد أن الشركات التي تدمج الاستدامة في عملياتها الأساسية تحقق معدلات نمو تتجاوز منافسيها بنسبة 30%.
الثورة في تعريف القيمة:
لم تعد القيمة رقمًا ماليًا فحسب، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل :الربح، حماية البيئة، العدالة الاجتماعية، الابتكار المستدام. وتجربة يونيليفر تجسّد هذه الثورة؛ إذ تُسهم علاماتها التجارية ذات الغرض المستدام بـ 75% من النمو الكلي للشركة، وتنمو أسرع من غيرها بنسبة 69%.
ثانيًا: الديناميكيات التحويلية، كيف تصبح الشركات فاعلًا أخضر؟
الاستراتيجيات التحويلية العميقة:
أ. إعادة تصميم النموذج الاقتصادي، الانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدائري:
النموذج الخطي: خذ → اصنع → استخدم → تخلص
الاقتصاد الدائري: صمّم → اصنع → استخدم → أعد الاستخدام/الإصلاح/إعادة التدوير
تجربة إيكيا نموذج واضح لهذا التحول، عبر:
– التزام كامل بالاقتصاد الدائري بحلول 2030
– استرجاع الأثاث المستعمل وإعادة تدويره
– اعتماد 100% من المواد المتجددة
– تشغيل سلسلة التوريد بالطاقة المتجددة بالكامل
ب. الابتكار كفلسفة وجودية:
الابتكار الأخضر ليس مجرد تطوير منتجات، بل إعادة تخيّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة. وتجربة تسلا مثال واضح:
– السيارة لم تعد وسيلة نقل فقط، بل بيان فلسفي
– نظام طاقة متكامل (سيارات كهربائية + تخزين الطاقة + بنية تحتية للشحن)
– السيارة تتحول إلى مركز بيانات متحرك
النموذج الرباعي للتحول:
– التحول في العقلية
– التحول في العمليات
– التحول في المنتجات
– التحول في العلاقات
ليصبح التحول الأخضر إعادة صياغة شاملة لطريقة وجود الشركات، لا لمنتجاتها فحسب.
ثالثًا: تشريح التحديات، الجدار السميك بين الحاضر والمستقبل
التحديات الهيكلية:
أ. التكاليف الأولية: يُظن أن التحول الأخضر مكلف، غير أن دراسة MIT (2024) تشير إلى عائد يتجاوز 200% خلال خمس سنوات من الاستثمار في التقنيات النظيفة.
ب. المقاومة الثقافية داخل المؤسسات:
– عقلية “هذا ليس عملنا”
– صراع داخلي بين الفكر التقليدي وأقسام الاستدامة
– صعوبة قياس العوائد غير المالية
ج. فجوة المهارات الخضراء:
– نقص الخبرات في الطاقة النظيفة
– الحاجة لتدريب ملايين العاملين
– بطء أنظمة التعليم في مواكبة التحول
التناقض الظاهري:
كيف يمكن أن تكون شركة مستدامة داخل نظام اقتصادي عالمي غير مستدام؟ هذا السؤال فلسفي وتشغيلي في الوقت نفسه، وهنا تكمن صعوبة التحول.
رابعًا: سوسيولوجيا النجاح، دراسات حالة متعددة الطبقات
تسلا:
– جعلت السيارة الكهربائية ضرورية ومرغوبة
– خلقت نظامًا بيئيًا كاملًا حول المنتج
– أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي دون نموذج أعمال جديد
إيكيا:
– دمج الاستدامة في صميم التصنيع والتصميم
– اقتصاد دائري قائم على إعادة الاستخدام
دانون:
– مفهوم “One Planet. One Health”
– الزراعة المتجددة والتغليف الدائري
– تحسين دخل أكثر من 130 ألف مزارع
نماذج عربية بعد العولمة:
– الأردن: تحويل المنازل إلى محطات طاقة شمسية
– المغرب: مصانع تعمل بالطاقة المتجددة
– الإمارات: مدن ذكية مبنية على مبادئ الاقتصاد الدائري
خامسًا: الاقتصاد الأخضر العربي، خصوصية التحدي وتميز الفرصة
البيئة العربية: تناقضات واعدة:
التحدي: الاعتماد التاريخي على اقتصاد الموارد (النفط)
الفرصة: أعلى معدلات الإشعاع الشمسي عالميًا
المفارقة: دول تعاني شح المياه تمتلك إمكانات هائلة للطاقة النظيفة
مسارات التحول العربي:
تحويل التحديات إلى فرص
الاستفادة من المزايا النسبية
أمثلة:
– السعودية: الصحراء كمستودع للطاقة الشمسية
– مصر: الاقتصاد الدائري كمركز إقليمي
– المغرب: ريادة الزراعة المستدامة
سادسًا: نحو نموذج شركة المستقبل، الشركة ككائن حي
خصائص الشركة الخضراء المتكاملة:
– التنفس البيئي: اعتماد الموارد المتجددة
– الدورة الدموية الدائرية: كل مخرج هو مدخل
– الجهاز العصبي الأخلاقي: حس بيئي واجتماعي
– المناعة التنظيمية: مقاومة قصيرة الأجل لمصلحة طويلة الأجل
مؤشرات نجاح جديدة:
– صحة النظام البيئي
– معدل تجديد الموارد
– الأثر المجتمعي
– معيار العدالة بين الأجيال
الخاتمة: لم يعد السؤال: كيف يصبح القطاع الخاص أخضر؟ بل أصبح: كيف يبقى القطاع الخاص موجودًا إذا لم يكن أخضر؟
فالاقتصاد الأخضر ليس مشروعًا تسويقيًا، وإنما تحول أنطولوجي في فهم معنى النشاط الاقتصادي. إنه انتقال من الشركة ككيان اقتصادي إلى الشركة كفاعل اجتماعي بيئي، يساهم في بناء مستقبل مستدام. الشركات التي تفهم هذا التحول لا تفعل ذلك لأنها “طيبة”، بل لأنها ذكية، لأنها أدركت أن حماية الكوكب هي حماية للسوق، وأن الاستدامة ليست تكلفة، بل استثمار في الوجود ذاته.
#ملف_الهدف_الاقتصادى

Leave a Reply