– إزالة التمكين تشريعيًا وبشريًا من أجهزة الدولة شرط لإنقاذ الاقتصاد واستعادة دور الدولة
– التكامل العربي يحتاج إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات رشيدة ورؤية مشتركة
– إفريقيا عمق استراتيجي يُعزّز التكامل الإقليمي وبناء أسواق قوية ومستقلة
– الاستقرار النقدي يبدأ بإصلاح المالية والضرائب والالتزام بالعدالة الاجتماعية
حوار: طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
في ظل واحدة من أعقد الأزمات التي يشهدها السودان منذ الاستقلال، تتصدر الأزمة الاقتصادية مشهد المعاناة اليومية للمواطنين؛ إذ تسببت الحرب المستمرة منذ الخامس عشر من أبريل في دمار واسع للبنية التحتية، وتوقف الإنتاج، وانهيار العملة الوطنية.
ولفهم أبعاد هذا الواقع، أجرينا هذا الحوار مع د. عصام علي حسين، عضو اللجنة الاقتصادية لحزب البعث العربي الاشتراكي – قطر السودان، الذي قدّم رؤية تحليلية دقيقة لتداعيات الحرب على القطاعات الإنتاجية والمالية والمصرفية، مؤكدًا أن إعادة الإعمار تتطلب إرادة سياسية ومشروعًا وطنيًا جامعًا يعيد الاقتصاد إلى سكّته الطبيعية.
في هذا الجزء من الحوار، نتناول البعد القومي والإقليمي، ثم الحلول العاجلة والاستراتيجية لإنقاذ الاقتصاد.
كيف يمكن تفعيل البعد القومي في معالجة الأزمة الاقتصادية؟
يؤكد د. عصام أن تفعيل البعد القومي يبدأ بتطبيق مفهوم قومية الاشتراكية، الذي يهدف إلى كسر الاحتكار الأجنبي، تحرير الموارد الوطنية، وبناء تنمية اشتراكية ذات امتداد عربي واسع.
فالدولة القطرية – بحسب قوله – لم تعد نموذجًا قادرًا على تحقيق التنمية أو تجاوز اختناقات الأنظمة العربية التي ما زالت تتمسك بتجاربها الضيقة وتخشى مشاريع التكامل القومي، بينما تدفع البلدان العربية نحو تبعية سياسية واقتصادية للنظام الرأسمالي العالمي.
ويرى أن التجربة البعثية تقدم نموذجًا يقوم على:
-
الإيمان بإمكانات الأمة وقدرتها على النهوض،
-
الالتزام بالطريق الثوري لتحرير الإرادة العربية،
-
بناء مجتمع عربي اشتراكي موحد وخالٍ من الاستغلال،
-
وتحقيق مشاركة كاملة للطاقات البشرية في التنمية.
ما هي آليات تعزيز التعاون الاقتصادي العربي – العربي؟
يشدد د. عصام على أن تطوير التعاون العربي وصولًا إلى التكامل الاقتصادي يتطلب أربعة شروط أساسية:
إرادة سياسية حقيقية، مؤسسات رشيدة، حكومات قادرة، ومشاركة واسعة في اتخاذ القرار.
ويتم ذلك عبر ثلاثة مسارات مترابطة:
1/ المسار الوطني
تأسيس خطط واستراتيجيات تنموية شاملة لإدارة الاقتصاد والمجتمع بكفاءة.
2/ المسار الإقليمي
تعزيز برامج العمل العربي المشترك، بدءًا من السوق العربية المشتركة، وتفعيل التجارة البينية، ودعم منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
3/ المسار العالمي
مواءمة السياسات الاقتصادية مع الأهداف التنموية الدولية لضمان الاندماج الفعّال في الاقتصاد العالمي دون التفريط في السيادة الوطنية.
كيف يمكن للبعد الإفريقي أن يساهم في حل الأزمة الاقتصادية؟
يرى د. عصام أن العمق الإفريقي يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز التكامل الإقليمي، وتطوير البنية التحتية، والاستفادة من المؤسسات الاقتصادية الإفريقية مثل:
الكوميسا، الإيكواس، الجماعة الاقتصادية لوسط إفريقيا، والمجموعة الاقتصادية الإفريقية.
ويؤكد أهمية تبني استراتيجيات تنموية مستدامة تعتمد على الحلول الإفريقية، خصوصًا ضمن مبادرة البرنامج الإفريقي للتنمية الزراعية الشاملة (CAADP)، بما يساعد على مواجهة:
-
الفقر،
-
البطالة،
-
الاعتماد على الخارج،
-
وبناء أسواق قارية قوية ومستقلة.
ما هي الحلول العاجلة لإنقاذ الاقتصاد السوداني؟
1/ إزالة التمكين تشريعيًا وبشريًا من أجهزة الدولة الحساسة: وزارة المالية، البنك المركزي، الجمارك، الضرائب، الأجهزة الأمنية والعسكرية، والقضاء والنيابة العامة.
ويعدّ ذلك الخطوة الأولى لتحرير الاقتصاد من الفساد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
2/ ضبط الإنفاق العام مع إعطاء الأولوية للتعليم، الصحة، والرعاية الاجتماعية.
3/ إصلاح النظام الضريبي باستخدام التكنولوجيا الحديثة لرفع كفاءة التحصيل وتوسيع قاعدة الضرائب (التوسع الأفقي)، وإدخال كافة الأنشطة الاقتصادية تحت المظلة الضريبية.
4/ مكافحة الفساد ودعم الإنتاج الوطني عبر مؤسسات قوية، فعّالة، وشفافة.
5/ ضمان استقلالية البنك المركزي ووقف طباعة العملة إلا لتمويل مشاريع إنتاجية سريعة العائد، خاصة في ظل الركود التضخمي الراهن.
6/ توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وزيادة الشمول المالي، مستفيدين من تجارب عالمية مثل:
-
تجربة محمد يونس في بنغلاديش،
-
وتجربة المكسيك التي أنشأت 2700 فرع لبنك حكومي لدعم الفقراء والمناطق الريفية.
7/ تمويل البنية التحتية عبر القروض الحكومية وفق نموذج التمويل الصيني، حيث يُسمح للبنوك بخلق قروض تُسدد من عائدات المشاريع نفسها.
كيف يمكن تحقيق الاستقرار النقدي وحماية قيمة العملة الوطنية؟
يرى د. عصام أن الاستقرار النقدي لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية والانحياز للطبقات الكادحة، ويعتمد على:
-
إعادة هيكلة وزارة المالية واستعادة دور التخطيط الاقتصادي.
-
إعادة هيكلة الضرائب والجمارك وتقليل الامتيازات والإعفاءات لأدنى حد ممكن.
-
تأكيد ولاية وزارة المالية على المال العام وتجريم التجنيب.
-
ضمان استقلالية ديوان المراجع العام وتمكينه من مراجعة جميع المؤسسات دون استثناء.
-
إعادة النظر في مهام مفوضية تخصيص الإيرادات العامة.
-
معالجة الدين الخارجي والداخلي عبر حملة وطنية شاملة، والاستفادة من المبادرات الدولية لإعفاء الديون.

Leave a Reply