البعث بين منطق الثورة ومسؤولية السلطة: قراءة تحليلية في موقفه من التطبيع وتجربة المرحلة الانتقالية

صحيفة الهدف

أ‌. ماجد الغوث                        أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

منذ مؤتمره التأسيسي عام 1947 لم تكن السلطة يومًا هي الهمَّ الأول في تصور حزب البعث؛ فقد نشأ الحزب من رحم فكرة أعمق وأكبر: ترقية كفاح الشعب وتنظيم طاقته لتحقيق أهداف الثورة. فالسلطة في فلسفة البعث، ليست غاية قائمة بذاتها، بل وسيلة لتحقيق إرادة الشعب وصون المشروع التاريخي، الذي خرجت من أجله الجماهير في مسيرتها الطويلة نحو الحرية والكرامة.

لقد كان للبعث دورٌ مركزي في تفجّر انتفاضة ديسمبر الثورية؛ ليس بوصفه تنظيمًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره رافعةً فكرية وروحية مكّنت الانتفاضة من استعادة جذورها القومية والوطنية. فأثناء وجوده في السلطة خلال المرحلة الانتقالية، لم يكن حضوره بهدف اقتسام النفوذ، بل لتحصين الثورة وربطها بتكوين الشعب التاريخي وإرثه النضالي، ولتعزيز الوعي الجديد، الذي حمله جيلٌ شجاعٌ انتفض ضد خطاب الهوس الديني وقيم الاستبداد.

البعث داخل السلطة: حماية المبادئ لا حماية المواقع

من موقعه داخل مؤسسات السلطة قاوم الحزب محاولات جرِّ السودان إلى مسار التطبيع، ورأى في تلك اللحظة مفصلًا حاسمًا في مسيرة الثورة؛ إذ مثّل التصدي لهذا الانحراف واجبًا وطنيًا وقوميًا وليس مجرد اختلاف سياسي. وبذلك حمّل البعث نفسه مسؤولية حماية المسار الثوري، دون أن يتحمّل وزر الأخطاء الفادحة، التي ارتكبتها حكومة حمدوك، التي خالفت روح الثورة ومطالب الجماهير.

سعى الحزب، بما يمتلك من خبرة سياسية، إلى إحباط مخططات القوى الداعية للتطبيع، إدراكًا منه أن الخروج من مواقع السلطة في ذلك الظرف كان سيُعدّ نوعًا من الاستسلام لتيار الانحراف، وترك الساحة خالية لقوى لا تجرؤ على مواجهتها إلا حركة مؤمنة بعمق انتمائها القومي ومبدئيتها التاريخية.

إن مشاركة الحزب في السلطة كانت استحقاقًا نضاليًا حصل عليه عبر صراع طويل، وبإرادة قاعدته، التي دفعت نحو البقاء في قلب المعركة السياسية، لا خارجها. ولم يكن وجوده داخل السلطة ليغيّر من خطايا الحكومة الانتقالية، ولكنه كان ضروريًا لإبقاء جذوة الموقف المبدئي مشتعلة في مواجهة التطبيع.

وموقف الحزب من التطبيع ليس جديدًا؛ بل موقف عقائدي ثابت منذ 1947. وهو الموقف ذاته الذي فقد الحزب بسببه سلطته في العراق، وقدَّم مناضلوه أرواحهم دفاعًا عنه. وليس أدل على ذلك من آخر كلمات الشهيد صدام حسين وهو يصعد إلى المقصلة: عاشت فلسطين… وتسقط الص-هيونية).

موقف القيادة القومية (بيان 26 أكتوبر 2020)

أصدرت القيادة القومية بيانًا مهمًا عبّرت فيه بوضوح عن رؤيتها لموجة التطبيع. أكدت القيادة أن السودان – بلد اللاءات الثلاث – سيبقى وفيًا لعروبته ووطنيته وإرثه النضالي، دفاعًا عن القضايا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

وأشار البيان إلى أنّ الإعلان عن إجراءات التطبيع بين السودان والكيان الص-هيوني جاء دون الرجوع إلى الشعب أو مؤسساته الدستورية. وأن القوى التي روجت للتطبيع داخل السلطة الانتقالية ارتكبت خيانة قومية كبرى تمثّل ارتدادًا عن كل قيم الوطنية السودانية.

كما كشفت القيادة القومية التضليل المصاحب لربط التطبيع بشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإره-اب أو بتحقيق الرفاه الاقتصادي، واعتبرت ذلك محاولة لإدخال السودان تحت احتلال جديد، عبر انتقاله من فضائه العربي إلى فلك إقليمي مرتهن بالجاذبية الص-هيونية.

موقف قيادة قطر السودان (بيان 25 أكتوبر 2020)

أصدرت قيادة قطر السودان بيانًا يدين اتفاقية التطبيع، ودعت فيه إلى تفعيل قانون مقاطعة إس-رائيل لعام 1958 لمحاسبة كل من تواصل مع الكيان الص-هيوني، في إشارة واضحة إلى الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وأكد البيان أن الرجلين انت-هكا الوثيقة الدستورية بقيادتهما مشروع التطبيع دون الرجوع للمؤسسات الحكومية أو السياسية. كما أشار إلى أن الجهات المروّجة للتطبيع استخدمت المراوغة والتضليل، بادعاء الحاجة إلى تفويض شعبي أو مجلس تشريعي، بينما كانت في الواقع تمضي في الاتجاه المعاكس تمامًا.

خلاصة: إن قراءة موقف البعث من التطبيع ومشاركته في السلطة تكشف ثلاث حقائق أساسية:

1. البعث كان جزءًا من السلطة بوصفه حارسًا للثورة لا شريكًا في الحكم: وجوده كان لحماية الخط الثوري لا لتقاسم المناصب.

2. مقاومة التطبيع كانت تمثل استمرارًا لطبيعته العقائدية والقومية: موقفه من فلسطين متجذر في روحه الفكرية، لا طارئًا سياسيًا.

3. بيانات القيادة القومية والقطرية جاءت لتعزز وحدة الرؤية الفكرية بين المستويات التنظيمية: فما أعلنته قيادة السودان كان صدى طبيعيًا لموقف القيادة القومية حيال القضية ذاتها.

خاتمة: إن هذا الموقف الصلب ليس مجرد رفض لخطوة سياسية، بل هو دفاع عن هوية السودان ودوره التاريخي في معركة الأمة ضد المشروع الص-هيوني. وما بين نضال 1947 وموقف 2020 يمتد خط واحد: خط الالتزام المبدئي، الذي يجعل من البعث حركة مقاومة قبل أن يكون حزبًا سياسيًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.