ماذا يعيق قيام الجبهة المدنية العريضة؟ الوطن أولى من خلافات القوى السياسية

صحيفة الهدف

سارة منوفلي

قد يجد المتابع للشأن السياسي السوداني أن التحديات والمنعرجات التي ظلت تواجه الأحزاب السياسية والأجسام المدنية، في ظل واقع بالغ التعقيد والصعوبة، ليست عصية على التحليل أو فهم النتائج التي قادت البلاد إلى ما وصلت إليه اليوم. فالأزمات المتراكمة، وما أفرزته من انقسامات وتباينات، تكشف بوضوح أن استمرار حالة التفرق والعجز عن بناء موقف مدني موحد لم يعد مجرد خلاف في وجهات النظر، بل أصبح أحد العوامل التي تعمّق الأزمة الوطنية وتطيل أمدها.

وفي كل مرة، ومن واقع التجارب السابقة، تبدو الإجابة أكثر وضوحًا: توحيد الصفوف حول الحد الأدنى من القواسم المشتركة، وتقديم ما يجمعنا على ما يفرقنا، والعمل بروح الفريق الواحد، مع الاستعداد لتقديم التنازلات الضرورية من أجل الوطن.

فالثورات السودانية، في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018، لم تكن لتبلغ أهدافها لولا تضافر الجهود وتوحد الإرادة الشعبية والمدنية، والالتقاء حول هدف مشترك هو إنهاء الحكم الاستبدادي واستعادة الحرية والكرامة.

فبقراءة في تاريخ الثورات السودانية فإن عامل انتصارها بإسقاط الأنظمة الديكتاتورية كان في وحدة أهدافها. نعم اختلفت الأطر التنظيمية واختلفت لحظة ميلادها لكن كانت وحدة المشروع والهدف هو العامل الأساس لانتصارها.

ليس بالضرورة أن تتشكل الوحدة في تحالف واحد ولكن التنسيق بين هذه التحالفات هو العامل الذي كان دائمًا يحقق الانتصار، وهذا ما تم في انتفاضة مارس أبريل 1985 وانتفاضة ديسمبر الثورية في أول يناير 2019 ، حيث تشكلت تنسيقية الحرية والتغيير التي جمعت خمسة تحالفات في إطار تنسيقي واحد.

لقد كانت تجربة الإجماع الوطني تجربة تستحق أن نستوحي منها دروسًا وعبرًا. كانت قوى الإجماع الوطني أكبر تحالف سبق ديسمبر، ما تميزت به تلك التجربة هي القدرة على إدارة التباينات وتجلى ذلك في عدة منعطفات.

مثل الموقف من الحوار الذي كان يراس آليته الرئيس (ثامبو امبيكي) بعد القرار الذي صدر من مجلس السلم والأمن الإفريقي انقسمت قوى الإجماع في الموقف منه إلا أنه بالصبر على التباين واحترام تقديرات من اختلف معهم حافظت على بقاء قوى الإجماع وتراجع من تبنوا دعوة أمبيكي للحوار مع النظام ووحدة الموقف داخل قوى الإجماع وخوض معركة التغيير وديسمبر موحدين في الموقف وهو إسقاط النظام بالسلمية

كما أن الأنظمة الدكتاتورية، مهما بلغت قدرتها على القمع والتضييق، تحمل في داخلها عوامل أزمتها وتآكلها؛ من صراعات وانقسامات، واختلالات سياسية واقتصادية، وضغوط معيشية واجتماعية تتفاقم بمرور الوقت، حتى تبلغ البلاد مراحل بالغة الخطورة، كما نشهد اليوم في ظل الح.رب وتداعياتها الكارثية.

ولعل تجربة قوى الإجماع الوطني تقدم نموذجًا جديرًا بالتأمل والاستفادة. فقد كانت تجربة مهمة في تكوينها وترتيبها، وفي قدرتها على جمع الأحزاب والقوى المدنية حول برنامج مشترك، رغم اختلافاتها الفكرية والسياسية. واستطاعت، عبر العمل المشترك والصبر وتذليل العقبات، أن تؤسس لمسار من التنسيق والمقاومة السلمية، وأن تسهم في تراكم الفعل الثوري الذي لم ينقطع، حتى جاءت ثورة ديسمبر المجيدة تتويجًا لسنوات من النضال والعمل السياسي والجماهيري.

لقد أثبتت تلك التجربة أن العمل المشترك لا يتطلب تطابق الرؤى والمواقف في كل القضايا، بقدر ما يحتاج إلى وضوح الأهداف والاتفاق على الوسائل والالتزام بما يتم التوافق عليه. فالسلمية كانت سلاحًا مجربًا وفعالًا، وكانت وحدة الكلمة والإرادة الشعبية من أهم عوامل نجاح الثورات السودانية.

واليوم، ونحن أمام واقع أشد قسوة وتعقيدًا، تتعرض فيه البلاد للتمزق بفعل الح.رب، والنزوح واللجوء والتشريد، والجوع والمرض، وانهيار مؤسسات الدولة، واتساع الانقسامات الاجتماعية والسياسية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا تبقى من الوطن حتى نختلف عليه؟ وماذا ينتظرنا حتى ندرك أن استمرار التشرذم لن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار؟

ما الذي يمنع القوى المدنية من إعادة الاعتبار لتجربة قوى الإجماع الوطني، والبناء عليها بما يتناسب مع تعقيدات المرحلة الراهنة؟ وما الذي يعرقل قيام جبهة مدنية عريضة، تتجاوز خلافات الأحزاب ومراكز الاستقطاب، وتتفق على برنامج وطني واضح يوقف الح.رب، ويحمي وحدة البلاد، ويعيد بناء الدولة على أسس الحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة المتساوية؟

إن المطلوب اليوم ليس مجرد بيانات ومواقف متفرقة، ولا تحالفات مؤقتة تذوب عند أول اختبار، وإنما إرادة سياسية حقيقية تترجم الدعوات إلى الوحدة إلى عمل ملموس، وتفتح الطريق أمام أوسع اصطفاف مدني وجماهيري لمواجهة الح.رب وتداعياتها، ووقف الانهيار، واستعادة المسار الديمقراطي.

إن المسؤولية التاريخية تضع رؤساء الأحزاب وقيادات القوى السياسية والأجسام المدنية أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: ما الذي يمنع الاتفاق على الوطن ومن أجله؟ ولماذا لا يكون الوطن هو الحد الأدنى الذي نلتقي عنده، مهما تباعدت مواقفنا واختلفت اجتهاداتنا؟

فليكن الوطن أولًا، ولتكن وحدة الصف المدني مدخلًا لإنقاذ ما تبقى منه. فما عاد لدينا من الوقت أو الوطن ما يسمح بمزيد من التردد والتنازع.

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا.. وإذا افترقن تكسرت آحادًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.