النقطة ٩ في بيان البعث الصادر بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦. قطعت جُهيزة قول كل خطيب

صحيفة الهدف

قلم: ماجد الغوث

إن أي قراءة موضوعية لتجربة الحرب في السودان، ولما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد دخولها عامها الرابع، تقود إلى نتيجة علمية لا تقبل التأويل، وهي أن الحسم العسكري لم يعد ممكناً، وأن الاستمرار في الرهان على البندقية لن ينتج إلا مزيداً من الاستنزاف والتدمير، وأن المخرج الوحيد المتبقي هو عملية سياسية تفاوضية شاملة، تُبنى على أسس مدنية، وتستند إلى إرادة شعبية، وتُدار بمنهج علمي، وتفضي إلى إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. فالحرب، بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية، لا تنتهي بانتصار طرف على آخر حين تتحول إلى حرب أهلية ممتدة، بل تنتهي حين تنضج شروطها الموضوعية، وحين تتكشف كلفتها الباهظة، وحين يدرك المجتمع أن كلفة استمرارها أكبر بكثير من كلفة إيقافها، وهو ما وصل إليه السودان اليوم، بكل المقاييس الإنسانية والاقتصادية والأمنية. والشواهد على ذلك ليست نظرية، بل هي شواهد حية، من داخل السودان، ومن محيطه العربي والأفريقي، ومن تجارب العالم أجمع، تؤكد أن السلام لا يصنع في الميدان، بل يصنع على طاولة التفاوض، وأن الدول التي اختارت طريق الحرب وحدها خسرت، والدول التي اختارت طريق التفاوض أنقذت نفسها. فعلى المستوى المحلي، يكفي أن نتأمل تجربة السودان نفسه، فقد جربنا الحسم العسكري مراراً، في الجنوب قبل اتفاق نيفاشا، وفي دارفور، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفي كل مرة كان الحسم وهماً، وكانت النتيجة مزيداً من الدمار والتشريد والكراهية، ولم يتوقف النزيف في الجنوب إلا حين جلس الطرفان في نيفاشا عام 2005، واتفقا على وقف إطلاق النار وترتيبات أمنية واقتسام للسلطة والثروة، وفتحا الباب أمام تقرير المصير، وهي تجربة رغم عيوبها أثبتت أن التفاوض هو الذي يوقف الحرب، لا المدفعية. وكذلك أثبتت اتفاقية جوبا للسلام عام 2020، رغم تعثر تنفيذها، أن الحركات المسلحة التي ظلت تقاتل لعقود لم تضع السلاح إلا حين وجدت مساراً سياسياً يحفظ لها مكانها ويعترف بمطالب أهلها، بينما عادت الحرب لتشتعل حين انهار المسار السياسي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، وحين أُغلق باب التفاوض واستُبدل بمنطق البندقية. وفي تجربتنا الأقرب، انتفاضة ديسمبر 2018، لم تسقط نظام الإنقاذ الدبابات، بل أسقطته القوة المدنية السلمية، والتحالف بين القوى السياسية والاجتماعية، والإضراب السياسي والعصيان المدني، والتفاوض الذي أفضى إلى الوثيقة الدستورية، وهو ما يؤكد أن القوة المدنية المنظمة أقوى من أي سلاح، وأن التغيير الحقيقي يصنعه الشعب لا الجيش. وعلى المستوى العربي، تكفي الإشارة إلى التجربة اللبنانية، فحرب أهلية استمرت خمسة عشر عاماً، من 1975 إلى 1990، لم تنته بحسم عسكري لأي طرف، بل انتهت باتفاق الطائف، الذي أعاد توزيع السلطة، وأنهى تعدد الجيوش، وأرسى صيغة توافقية لا تزال تحفظ لبنان من الانهيار رغم كل أزماته. وكذلك التجربة اليمنية، فبعد عشر سنوات من الحرب، لم يستطع أي طرف أن يحسم المعركة، وظل اليمن ممزقاً، ولم يبدأ الحديث الجدي عن السلام إلا حين أدرك الجميع أن الحل السياسي التفاوضي هو الوحيد الممكن، وأن وقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية هي المدخل لأي استقرار. وفي التجربة الجزائرية، لم تنته حرب العشرية السوداء في التسعينيات بالحل الأمني وحده، بل انتهت بميثاق السلم والمصالحة الوطنية عام 2005، الذي جمع بين وقف العنف والعدالة التصالحية وإعادة الإدماج، وهو ما أعاد للجزائر استقرارها. وعلى المستوى الأفريقي، الشواهد أكثر وضوحاً، ففي رواندا، بعد إبادة جماعية راح ضحيتها قرابة مليون شخص عام 1994، لم يبنِ الروانديون دولتهم بالانتقام، بل بنوها بالمصارحة والعدالة الانتقالية، عبر محاكم الغاتشاكا، التي حاسبت الجناة وصالحت المجتمع، وأعادت بناء دولة موحدة تجاوزت الانقسام الإثني، وأصبحت اليوم نموذجاً للتعافي. وفي جنوب أفريقيا، لم تنته الفصل العنصري بحرب أهلية شاملة، بل انتهت بتفاوض شجاع بين نيلسون مانديلا ودي كليرك، وبعدالة انتقالية قادتها لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة الأسقف ديزموند توتو، التي كشفت الحقيقة دون أن تفتح باب الانتقام، وبنت دولة ديمقراطية لا تزال صامدة. وفي إثيوبيا، لم تتوقف حرب التيغراي التي استمرت عامين إلا باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، الذي نص على وقف دائم لإطلاق النار، ونزع سلاح المقاتلين، وعودة الخدمات، وسلطة مدنية، وهو ما أوقف واحدة من أبشع حروب القارة. وفي كولومبيا، وهي تجربة عالمية، لم تنته حرب استمرت أكثر من خمسين عاماً مع حركة فارك إلا باتفاق هافانا عام 2016، الذي جمع بين وقف إطلاق النار، ونزع السلاح، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإدماج، والإصلاح الريفي، وهو ما أثبت أن الحروب الأهلية الطويلة لا تنتهي إلا بتسويات شاملة. وفي أيرلندا الشمالية، لم ينهِ العنف الطائفي الذي استمر ثلاثين عاماً إلا اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، الذي قام على تقاسم السلطة، ونزع السلاح، والإفراج عن المعتقلين، وبناء مؤسسات مشتركة. وفي البوسنة والهرسك، لم تتوقف حرب البلقان إلا باتفاق دايتون عام 1995، الذي فرض وقف إطلاق النار، وقسم السلطة، وبنى ترتيبات أمنية ودستورية. وفي فيتنام وكمبوديا وموزمبيق، كلها تجارب تؤكد القاعدة الذهبية نفسها، وهي أن وقف إطلاق النار هو البداية، لا النهاية، وأن الترتيبات الإنسانية والأمنية العاجلة هي التي تمنح السلام مصداقيته، وأن إنهاء تعدد الجيوش هو الذي يمنع عودة الحرب، وأن السلطة المدنية الانتقالية هي التي تضمن عدم عودة العسكر، وأن العدالة الانتقالية والمحاسبة هي التي تمنع الانتقام، وأن برنامج التعافي وإعادة الإعمار هو الذي يعيد الحياة، وأن الحوار حول الدستور والهوية ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة هو الذي يعالج جذور الأزمة. فالسودان ليس استثناء من هذه القاعدة، بل هو أحوج ما يكون إليها، لأن أزمته مركبة، تجمع بين أزمة دولة وأزمة هوية وأزمة توزيع وأزمة حكم، ولا يمكن حلها ببيان عسكري أو بهدنة مؤقتة، بل بحل شامل، يبدأ بوقف شامل وفوري لإطلاق النار، يراقب بآلية مستقلة، ويمر عبر ترتيبات إنسانية وأمنية عاجلة تفتح الممرات وتحمي المدنيين، ويتواصل بإنهاء تعدد الجيوش وبناء جيش مهني واحد خاضع للسلطة المدنية، ويتوّج بسلطة مدنية انتقالية تقود البلاد بمهام محددة ومدة محددة، وتستند إلى عدالة انتقالية ومحاسبة تنصف الضحايا وتكشف الحقيقة، وبرنامج تعافي وإعادة إعمار يعيد بناء ما دمرته الحرب، وحوار وطني شامل يفضي إلى مؤتمر دستوري يجيب عن أسئلة الهوية ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة. إن هذه المحطات السبع، التي أثبتتها التجارب المحلية والعربية والأفريقية والعالمية، تشكل في مجموعها رؤية متكاملة للسلام، رؤية لا تختزل السلام في وقف إطلاق النار، ولا تختزله في تقاسم السلطة بين العسكر، بل تراه عملية بناء وطني شاملة، تبدأ بإسكات البنادق، ولا تنتهي إلا بإعادة بناء الإنسان والدولة والمجتمع. ومن هنا، فإن أي حديث عن سلام لا يمر عبر هذه المحطات هو حديث ناقص، وأي مبادرة تتجاهل واحدة منها هي مبادرة ستفشل، وأي طرف يرفضها إنما يعلن، بشكل صريح أو ضمني، رغبته في استمرار الحرب، مهما رفع من شعارات الوطنية والسيادة. فالسودان اليوم أمام مفترق طرق، إما أن يمضي في طريق الحرب، فيفقد المزيد من أبنائه وأرضه ووحدته، وإما أن يمضي في طريق العملية السياسية التفاوضية، فيستعيد حياته ودولته ومستقبله، ونحن نؤمن أن شعبنا، الذي صنع ثلاث انتفاضات عظيمة، قادر على أن يصنع سلامه، إذا توفرت الإرادة السياسية، وتوحدت القوى المدنية والاجتماعية، ووجد المجتمع الدولي الشجاعة ليمارس ضغطاً حقيقياً على طرفي الحرب، لا ضغطاً موسمياً، بل ضغطاً مستمراً وملزماً، يضع حداً لهذا النزيف، ويفتح الباب أمام فجر جديد للسودان، سودان مدني، ديمقراطي، موحد، عادل، يسع جميع أبنائه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.