حين تنفصل القلوب قبل أن تتباعد الأجساد- الانفصال النفسي في السودان: الوجه الآخر للحرب وتآكل الروابط الوطنية

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

ليست كل الحروب ما تتركه من خرابٍ مرئي، فثمة حروب أخرى تبدأ داخل النفوس، وتتمدد في الوعي، وتعيد رسم المسافات بين الناس، حتى وإن ظلوا يعيشون في الشوارع ذاتها، ويركبون وسائل المواصلات نفسها، ويتقاسمون المكان والخبز والذاكرة. وقد يكون أخطر ما تخلّفه الحرب أنها لا تكتفي بتفكيك الجغرافيا، بل تمتد إلى تفكيك المعنى الذي يجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون إلى وطن واحد.

في السودان، حيث لم تكن الحرب مجرد مواجهة مسلحة، بل كارثة أصابت المجتمع في أمنه واستقراره ونسيجه الاجتماعي، يبرز خطر لا يقل عمقاً عن الدمار المادي والنزوح وفقدان مصادر العيش: إنه الانفصال النفسي بين أبناء المجتمع الواحد. ذلك الانفصال الذي لا يحتاج إلى حدود جغرافية أو حواجز إسمنتية، إذ يكفي أن يصبح الآخر موضع ريبة، وأن يتحول اختلاف القبيلة أو الجهة أو المنطقة من تنوع طبيعي إلى سبب للحذر والنفور والرفض.

ففي الحياة اليومية تظهر إشارات صغيرة، لكنها تحمل دلالات اجتماعية عميقة. في مراكز الإيواء في مدن مثل بورتسودان وود مدني، أو في أماكن تجمع بائعات الشاي، نلاحظ كيف تميل كل مجموعة إلى الجلوس مع من تشاركها المنطقة أو القبيلة أو الخلفية الاجتماعية. وفي المواصلات والأسواق، تبرز تحفظات متبادلة وتصنيفات سريعة للآخرين بناءً على أصولهم.

لا ينبغي أن نقرأ هذه المشاهد باعتبارها دليلاً قاطعاً على انقسام المجتمع بأكمله، فقد يكون هذا التقارب استجابة طبيعية للخوف والغربة والنزوح، أو وسيلة لتبادل المساعدة والمعلومات في ظروف قاسية. لكن القلق يبدأ حين يتحول هذا التقارب إلى انغلاق، وحين يصبح الانتماء المشترك شرطاً للثقة، ويغدو الاختلاف سبباً للشك أو الإقصاء. هنا ننتقل من مجرد تجمع اجتماعي إلى ظاهرة أكثر خطورة، في أن يبدأ الإنسان في اختيار من يجالسه، ومن يثق به، لا على أساس سلوكه ومواقفه الإنسانية، بل على أساس هويته القبلية أو الجغرافية.

الهوية في أصلها مصدر للانتماء والذاكرة والاعتزاز، وليست نقيضاً للمواطنة. فالقبيلة والمنطقة والثقافة المحلية مكونات مشروعة من تكوين المجتمع السوداني، وقد أسهم تنوعها عبر التاريخ في إثراء الحياة الاجتماعية. لكن الخطر يبدأ عندما تُختزل الهوية في العصبية، وتتحول من رابطة ثقافية إلى أداة لتصنيف المواطنين وتحديد درجات قبولهم وحقوقهم.

بالتالي فإن خطاب العنصرية لا يكتفي بالإساءة إلى جماعة بعينها، إنه يعيد تشكيل الوعي الجمعي على قاعدة الشك والتعميم. وحين يُحمَّل فرد مسؤولية أفعال شخص آخر لمجرد انتمائهما إلى قبيلة أو منطقة واحدة، نكون أمام انهيار في أبسط قواعد العدالة الإنسانية. فالإنسان لا يدان بنسبه، ولا يمنح صك البراءة بهويته، وإنما يحاسب على فعله الفردي ومسؤوليته المحددة. والأشد خطرا أن خطاب الكراهية قد ينتقل من المنابر إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويتسلل إلى الأحاديث العابرة ونظرات الريبة وطريقة استقبال النازحين، ليتحول المجتمع من فضاء للتعارف إلى ساحة لتبادل الأحكام المسبقة.

إن الانفصال النفسي أعمق من مجرد اختلاف في المواقف السياسية، فهو يتصل بتآكل الثقة، وتراجع الشعور بالأمان، وتضاؤل القدرة على التعاطف. وحين تطول الحرب، تتراكم التجارب المؤلمة في الذاكرة الجماعية، ويصبح الخوف من تكرار الأذى حاضرا في التعامل مع الآخرين.

وهنا تكمن المفارقة المأساوية، في أن قد ينجو الإنسان من القصف والنزوح، لكنه يحمل معه إلى مكان إقامته الجديد خوفا لم يغادره، وذاكرة مثقلة بالفقد، وحذرا قد يتحول إلى جدار بينه وبين محيطه. وتشير تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) لعام 2024 إلى أن الصراع في السودان تسبب في نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخلياً وخارجياً، وهو ما عمّق الانقسامات الاجتماعية بشكل غير مسبوق. كما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف ذي الأبعاد الإثنية وخطاب الكراهية والاستقطاب، بما يهدد التماسك المجتمعي على المدى الطويل. وهذه ليست مجرد مخاوف نظرية، بل تحذير من أن استمرار العنف قد يترك آثارا تتجاوز زمن المواجهات المسلحة.

فالوطن ليس أرضاً نعيش فوقها فحسب، إنه شبكة من الثقة والاعتراف المتبادل والشعور بالمصير المشترك. وقد تتوحد الحدود السياسية، بينما تتباعد النفوس، وتظل الدولة قائمة في الخرائط، لكن معناها الاجتماعي يتراجع. فما قيمة أن يجتمع الناس في مكان واحد إذا كانوا لا يشعرون بالأمان تجاه بعضهم؟ إن وحدة الوطن لا تقاس بسلامة حدوده، بل بقدرة أبنائه على الاعتراف المتبادل، والعيش المشترك، والاحتكام إلى مواطنة لا تميز بينهم.

لذلك فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تختزل في ترميم المباني والطرق، على أهميتها، فهناك عمران آخر لا بد منه: إعمار الثقة، وترميم الذاكرة الاجتماعية. فالمباني يمكن أن تعاد في سنوات، أما الجسور التي تهدمت بين النفوس فقد تحتاج إلى زمن أطول، وإلى عدالة صادقة، ومواقف شجاعة تنقض الصور النمطية.

ولمواجهة هذا الانفصال النفسي، لا تكفي المواعظ والدعوة إلى التسامح، بل يجب معالجة الأسباب العميقة. على المستوى العملي، يتطلب ذلك: وقف فوري للحرب وحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتفعيل دور الإدارات الأهلية، والقيادات المجتمعية في المصالحة المحلية، وإدراج مناهج التربية المدنية والسلم الأهلي في المدارس والجامعات كأولوية لبناء جيل يرفض خطاب الكراهية. كما تتطلب إعادة بناء المساحات المشتركة (المدارس، الأسواق، أماكن العمل) التي يلتقي فيها السودانيون بوصفهم مواطنين وشركاء في الحياة.

وليست التجربة السودانية استثناءً من محيطها العربي، فالمجتمعات التي أنهكتها الحروب في سوريا واليمن والعراق وليبيا تقدم شواهد على أن الصراع حين يستقر في الوعي الاجتماعي، يصبح أطول عمرا من المعارك نفسها. ففي مثل هذه البيئات تتراجع الثقة بالانتماء الوطني، وتتقدم دوائر الانتماء الأضيق، ويغدو القرب الجغرافي أو الطائفي ملاذا نفسيا في مواجهة الخوف. وقد أظهرت التطورات السورية كيف يمكن لخطاب الكراهية والمعلومات المضللة أن يفاقما الخوف، فيما حذرت الأمم المتحدة في ليبيا من أن التحريض القائم على الانتماءات المناطقية والقبلية يقوض فرص الوحدة.

حتما ستنتهي المعارك، وتتوقف المدافع، وتعود الحياة إلى الشوارع، لكن الحرب لا تكون قد غادرت الوطن حقاً إذا بقيت تسكن نظرات الناس، وتتحكم في اختياراتهم، وتحدد من يقبلون ومن يرفضون. إن معركة السودان لا تتعلق باستعادة الأرض والمؤسسات وحدها، بل باستعادة الإنسان السوداني لقدرته على رؤية أخيه السوداني إنسانا قبل أن يراه منتميا إلى قبيلة أو جهة. فالتنوع لا يصبح مصدر قوة بمجرد وجوده، وإنما حين تحميه المواطنة، وتنظمه العدالة. والوطن الذي لا يتسع لجميع أبنائه في الوجدان، لن تكفيه سعة الجغرافيا.

ولأن الجدران النفسية لا تهدم بالتمني، فإن الطريق إلى استعادة اللحمة الوطنية يتطلب حلولا جذرية ومتعددة الأبعاد، تبدأ بوقف فوري وناجع للقتال، وترسيخ دعائم العدالة الانتقالية التي لا تُبقي جريمة دون محاسبة، لتطمئن المواطن إلى أن دمه وعرضه وحقوقه مصانة بغض النظر عن هويته. وعلى المستوى الاجتماعي، يقع العبء الأكبر على الإعلام والمؤسسات التربوية في تفكيك خطاب الكراهية، وإعادة صياغة المناهج التعليمية لتزرع ثقافة المواطنة المتساوية واحترام التنوع. ولا يكتمل هذا العلاج إلا بإعادة إحياء الفضاءات المشتركة، من مدارس وأسواق ومنتديات مجتمعية، لتكون ملاذا آمنا يجتمع فيه السودانيون لا ككيانات متنافرة، بل كأفراد يتعلمون من جديد كيف يتعاونون ويتقاسمون الحياة على أرض واحدة.

ولعل أول طريق الخروج من هذه المحنة أن نعيد اكتشاف الحقيقة التي لا ينبغي للحرب أن تنتزعها منا، ف نحن مختلفون في انتماءاتنا وخصوصياتنا، لكننا متساوون في إنسانيتنا، وهويتنا الوطنية والقومية، شركاء في وطن واحد وامة واحدة، ومصير لا يصنعه بعضنا بمعزل عن بعض.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.