حول تطورات استمرار الحـ.ـرب وإفرازات الأزمة الوطنية الشاملة ومطلوبات العمل السياسي والجماهيري
▪️تمر بلادنا بمرحلة بالغة الخطورة من تاريخها الحديث، تتداخل فيها تداعيات الحـ.ـرب مع الانهيار الاقتصادي والمعيشي، وما أحدثته من هجرة ونزوح وخلخلة لبنية المجتمع، واتساع رقعة الكارثة الإنسانية، وانقسام وتراجع مؤسسات الدولة، مع تفاقم التدخلات الإقليمية والدولية. وقد دخلت الحـ.ـرب عامها الرابع دون أن يلوح في الأفق انتصار عسكري حاسم لأي من طرفيها، فيما تتسع دائرة الخسائر البشرية والمادية، وتتعمق الانقسامات الاجتماعية والجغرافية، وتتزايد المخاطر التي تهدد وحدة السودان وسيادته ومستقبله، التي يعمل الطرفان بالفعل ورد الفعل وبالتدابير والإجراءات على تكريسها.
▪️إن قراءة التطورات الجارية تقتضي النظر إليها في ترابطها، وعدم التعامل مع كل تطور باعتباره حدثًا منفصلًا عن مسار الأزمة. ومن هنا فإن مراجعة أدوات العمل السياسي والجماهيري ووسائله، وتحديد المهام الوطنية وأولوياتها، التي تفرضها المرحلة، بما ينقل القوى الوطنية الرافضة للحـ.ـرب من دائرة المواقف المعلنة إلى دائرة الفعل السياسي والجماهيري الأكثر تأثيرًا.
▪️ إن حزب البعث العربي الاشتراكي، انطلاقًا من موقفه المبدئي الرافض للحـ.ـرب والداعي إلى وقفها منذ 15 أبريل 2023، وإدراكًا منه لطبيعة الأزمة الوطنية الشاملة وتعقيداتها؛ يطرح هذه القراءة باعتبارها مساهمة في تحديد اتجاهات التطور وموجهات التعامل معها، وفي بناء موقف وطني واسع وصحيح، يستند إلى مصالح الشعب السوداني ووحدة البلاد واستقلال قرارها الوطني ودورها الإيجابي، ويضع إنهاء الحـ.ـرب واستعادة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية في مقدمة أولوياته.
أولًا: تطورات الوضع العسكري والأمني ودلالاتها السياسية
شهدت العمليات العسكرية خلال الفترة الماضية تحولات مهمة في طبيعة الحـ.ـرب ومناطق انتشارها وأدواتها. فقد انتقلت المواجهات من نمط السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية إلى نمط أكثر اتساعًا وتعقيدًا، تتداخل فيه العمليات البرية والقصف المدفعي والجوي والاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة كمرحلة متقدمة من حـ.ـرب الاستنزاف.
وأصبح استخدام المسيّرات أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية، بما تحمله من قدرة على استهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية ومحطات الكهرباء والمرافق المدنية، وتهديد المناطق التي كانت بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة. وقد كشفت الهجمات الأخيرة عن خطورة هذا التطور، خصوصًا مع امتداد آثارها إلى خدمات المياه والصحة والوقود والأسواق، وما يترتب عليها من أضرار مباشرة بحياة المواطنين.
▪️ إن هذا التطور لا يمكن قراءته من زاوية التفوق التقني أو المكاسب العسكرية وحدها؛ فهو يكشف عن اتساع نطاق الحـ.ـرب، وتزايد اعتماد أطرافها على الإمدادات والتقنيات والقدرات الخارجية، كما يرفع كلفة استمرارها على المجتمع والدولة. ويؤكد أن امتلاك أدوات عسكرية أكثر تطورًا لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق حسم سياسي أو عسكري مفترض، وأن استمرار تبادل الضربات قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة الطبيعية الوطنية والاقتصادية.
ومن المهم الانتباه إلى أن استهداف البنية التحتية المدنية، أيًا كان الطرف المسؤول عنه، يمثل انتـ.ـهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، ويجب ألا يخضع لمعايير مزدوجة أو لمواقف انتقائية تتغير بحسب الجهة التي ترتكبه.
▪️عليه فإن الموقف المطلوب يتجاوز إدانة الهـ.ـجمات بعد وقوعها إلى المطالبة بوقف استخدام الطائرات المسيّرة والقصف الجوي والمدفعي ضد المدنيين والمنشآت المدنية، وفرض آليات مراقبة وتحقق مستقلة، والتحقيق في الانتـ.ـهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما ينبغي قراءة التحركات العسكرية باعتبارها جزءًا من عملية تفاوض غير معلنة في بعض جوانبها، إذ يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه الميداني قبل الدخول في أي تفاوض، أو استخدام التصعيد العسكري وسيلة للضغط على الطرف الآخر. وهذه الحسابات الضيقة تفسر جانبًا من تعثر جهود وقف إطلاق النار، وتؤكد ضرورة الفصل بين الترتيبات الإنسانية العاجلة وبين محاولات الأطراف فرض شروط سياسية من خلال استمرار القـ.ـتال.
إن الموجه السياسي هنا هو رفض تحويل الميدان العسكري إلى مصدر للشرعية السياسية والسلطوية، ورفض الاعتقاد بأن تغيير موازين القوة بالسـ.ـلاح يمكن أن ينتج حلًا وطنيًا مستقرًا ويحظى بقبول شعبي.
ثانيًا: الانهيار الاقتصادي والمعيشي وخطر المجاعة
▪️لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان أزمة تضخم أو تراجع في قيمة العملة أو اختلال في الموازنة العامة، لقد تحولت إلى أزمة شاملة تمس شروط بقاء المجتمع وقدرته على مواصلة الحياة والإنتاج.
فلقد تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطلت سلاسل الإمداد والتجارة، وتضررت البنية التحتية، والبيئة وانحسر الغطاء النباتي، وتراجعت فرص العمل ومصادر الدخل، واتسعت رقعة الفقر. كما تعرضت المؤسسات المصرفية والمالية والخدمية لأضرار جسيمة، وأصبحت قطاعات واسعة من المواطنين عاجزة عن الحصول على الغذاء والدواء والمياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية والوقود.
وتتجلى خطورة الوضع في اتساع انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد اعتماد الأسر على المساعدات والتحويلات الخارجية. وتتحمل النساء والأطفال وكبار السن والنازحين والمرضى العبء الأكبر لهذه الكارثة.
كما أن عودة أعداد مقدرة من النازحين واللاجئين إلى بعض المناطق لا تعني عودة الحياة الطبيعية، في ظل غياب الخدمات والأمن وفرص العمل والسكن ومقومات الاستقرار.
▪️ إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها لم تعد مرتبطة بالمناطق التي تشهد العمليات العسكرية وحدها، وإنما امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء البلاد، وإلى من اضطروا لمغادرهَ بلادهم في الخارج، مع تفاوت مستويات التأثر. وهذا يفرض وضع القضية الاقتصادية والمعيشية والخدمية في صدارة برامج القوى السياسية والاجتماعية والمدنية، باعتباره مدخلًا أساسيًا للضغط من أجل وقف الحـ.ـرب.
فلا يجوز أن يظل المواطن محصورًا بين خطابين عسكريين مغاليين في المزايدة بالوطنية، ويتحدثان عن النصر والحسم المزعوم، بينما تتراجع قدرتهما على توفير أبسط احتياجات أسرته.
وتقتضي هذه الوقائع تبني برنامج وطني عاجل يتضمن:-
1- المطالبة بوقف فوري لإطلاق النـ.ـار يتيح وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق دون استثناء أو اشتراطات سياسية وعسكرية.
2- فتح وتأمين الممرات الإنسانية والمعابر والطرق القومية، وضمان حرية حركة العاملين في المجال الإنساني.
3- حماية المنشآت الاقتصادية والخدمية ومحطات الكهرباء والمياه والمستشفيات ومرافق إنتاج الغذاء وكافة الأعيان المدنية.
4- إنشاء آلية مستقلة لرصد الأوضاع المعيشية وتوثيق الاحتياجات وتنسيق جهود الإغاثة.
5- توفير التمويل الإنساني العاجل، ومنع استخدام الغذاء والدواء والخدمات الأساسية أدوات للابتزاز أو الحـ.ـرب أو الاستقطاب.
6- وضع أسس التعافي الاقتصادي المبكر، وسيطرة الدولة على الثروات الرئيسية والقطاعات الحيوية وإعادة تشغيل الإنتاج الزراعي والصناعي والأسواق والخدمات، مع حماية حقوق العاملين والمنتجين وأصحاب الأعمال الصغيرة.
إن وقف الحـ.ـرب ليس مطلبًا سياسيًا لذاته؛ إنه شرط ضروري لوقف التدهور والإضعاف، لإنقاذ المجتمع من الانهيار واستعادة قدرته على الإنتاج والحياة والتعايش.
ثالثًا: تطورات الوضع السياسي وأزمة الشرعية
تتسم الساحة السياسية السودانية بحالة من التشتت والاستقطاب، وتعدد المبادرات والمنابر، وغياب مركز سياسي مدني وطني قادر على بلورة موقف موحد أو متوافق عليه ومؤثر تجاه إنهاء الحـ.ـرب وترتيبات المستقبل السياسي والاقتصادي.
وقد أفرزت الحـ.ـرب اصطفافات جديدة، وأعادت إنتاج بعض الانقسامات القديمة، وأضعفت قدرة القوى السياسية المدنية على التأثير في مسار الأحداث، كاستراتيجية مشتركة لأطراف الحـ.ـرب واستمرارها، كما أن محاولات بعض الأطراف احتكار تمثيل الدولة أو المجتمع، واستخدام المؤسسات الرسمية والعسكرية لفرض خيارات سياسية أحادية، تزيد من تعقيد الأزمة وتضعف فرص الوصول إلى حل وطني مقبول جماهيريًا.
▪️ وفي هذا السياق، فإن دعوة قائد الجيش إلى ما أُطلق عليه الحوار السوداني – السوداني، باعتبارها كأحد التطورات السياسية التي تستوجب قراءة أهدافها ومضمونها وتوقيتها، وعدم الاكتفاء بالشعارات التي ترفعها.
إن الحوار الوطني المطلوب ينبغي أن يكون عملية مستقلة، تتحدد أجندتها ومشاركوها وآلياتها بإرادة سودانية مشتركة، وأن تسبقه أو تصاحبه تهيئة مناخ سياسي وأمني يضمن حرية الحركة والمشاركة والتعبير، ويقر بالاختلاف ويحترم الرأي الآخر، ويضع وقف الحـ.ـرب وحماية المدنيين في صدارة أولوياته.
غير أن المبادرة التي طرحتها قيادة الجيش لم تنجح في اكتساب القبول الوطني والسياسي المطلوب، وواجهت رفضًا من القوى السياسية والاجتماعية والمدنية المناهضة للحـ.ـرب، بسبب طبيعة الجهة الداعية إليها، والبيئة التي يجري فيها الإعداد لها، والشكوك المتعلقة باستقلال اللجنة التحضيرية وبعض عناصرها، ومعايير المشاركة، والأجندة والنتائج المتوقعة.
▪️ وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذه الدعوة لم تأتِ في سياق تهيئة وطنية مستقلة للحوار، وإنما في ظل استمرار ا لحـ.ـرب، ووجود سلطات أمر واقع عسكرية، وغياب الضمانات الكافية لاستقلال العملية السياسية عن إرادة الطرف الذي يسيطر على مؤسسات الحكم والأجهزة الأمنية.
ونرى أن هذه الدعوة تمثل محاولة لقطع الطريق على المبادرات السياسية المستقلة، وإعادة توجيه الحوار الوطني نحو مسار تتحكم فيه السلطة القائمة، بما يتيح لها إنتاج شرعية لحكمها، واستباق أي عملية سياسية سودانية أوسع أو مسار تفاوضي برعاية إقليمية ودولية.
وهذا النهج يعيد إلى الأذهان تجربة النظام السابق في إدارة ما كان يسمى بالحوار الوطني، حين جرى توظيف الحوار لإطالة عمر السلطة القائمة، والتحكم في المشاركين والأجندة ومن ثم النتائج، دون معالجة حقيقية لأسباب الأزمة الوطنية الشاملة أو إحداث تحول ديمقراطي في بنية السلطة ومؤسساتها.
▪️ إن الحوار الذي لا يسبقه وقف للحـ.ـرب، ولا يضمن استقلال أطرافه، ولا يعالج جذور الأزمة، ولا يضع حدًا للهيمنة العسكرية على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن يكون مدخلًا موثوقًا للسلام وللانتقال الديمقراطي.
كما أن أزمة الشرعية لا تعالج بإعادة إنتاج سلطة ما قبل الحـ.ـرب، ولا بإضفاء شرعية دائمة على الأمر الواقع الذي أفرزته العمليات العسكرية، ولا بتشكيل حكومات تستند إلى موازين القوة المسلحة. فشرعية السلطة تستمد مشروعيتها من إرادة الجماهير عبر الانتخابات أو الانتفاضة الشعبية، ومن مؤسسات مدنية ذات تفويض شعبي، ومن دستور وقانون ومساءلة ومشاركة سياسية شعبية واسعة وحقيقية.
وفي هذا السياق، يظل موقف حزب البعث ثابتًا من رفض الحـ.ـرب ومن الطرفين المتحاربين ومن مشروعاتهما السياسية والعسكرية التي تسعى إلى إخضاع حاضر ومستقبل البلاد لموازين القوة المسلحة. ولا يعني هذا الموقف مساواة آلية بين جميع الوقائع والانتـ.ـهاكات والمسؤوليات، وإنما يعني رفض تحويل الخلاف حول المسؤوليات إلى مبرر لاستمرار الحـ.ـرب أو الاصطفاف خلف أحد طرفيها.
كما يؤكد حزب البعث أن القوى السياسية والمدنية الديمقراطية التي لم تتورط في دعم الحـ.ـرب أو توفير الغطاء السياسي لها تتحمل مسؤولية تاريخية في إعادة بناء المجال السياسي الوطني، وتوحيد جهودها حول برنامج متوافق عليه لإنهاء الحـ.ـرب والانتقال إلى سلطة مدنية ديمقراطية تعددية.
رابعًا: الحركة المتأسلمة والمؤتمر الوطني وإعاقة إنهاء الحـ.ـرب
لا يمكن تقديم قراءة موضوعية للأزمة الوطنية الشاملة دون الوقوف عند دور الحركة المتأسلمة وواجهات النظام السابق وشبكات المصالح والنفوذ المرتبطة به في استمرار الحـ.ـرب وأعاقة فرص الوصول إلى حل سياسي.
إن هذه القوى ليست مجرد مكون سياسي يختلف مع خصومه حول شكل السلطة أو برنامج الحكم وطريق التطور الأقتصادي؛ فقد ارتبطت تجربتها الطويلة في إدارة الدولة بإضعاف المؤسسات الوطنية، وخلق مؤسسات موازية أو بديلة، وتسييس الخدمة المدنية والعسكرية والأجهزة النظامية، وإقامة شبكات اقتصادية وأمنية مرتبطة بالسلطة، ومحاربة الرأسمالية غير المرتبطة بمشروعها وتوجهاتها الطفيلية، وتوظيف وتغذية الانقسامات السياسية والاجتماعية لحماية مشروعها.
وقد مثلت الحـ.ـرب بالنسبة إلى قطاعات من هذه الشبكات فرصة لاستعادة النفوذ وتصفية الحسابات مع القوى التي أسهمت في انتفاضة ديسمبر الثورية، ومحاولة إعادة إنتاج منظومة الحكم السابقة عبر بوابة التعبئة العسكرية والأمنية وتجييش السياسة والاقتصاد والمجتمع، وتصوير استمرار الحـ.ـرب باعتباره الطريق الوحيد لحماية الدولة.
▪️ إن خطورة هذا الدور تكمن في العمل على تعطيل أي مسار سياسي مدني مستقل، والتشكيك في القوى الرافضة للحـ.ـرب، ووصم كل دعوة للتفاوض بالخيانة الوطنية، في الوقت الذي تبارك فيه تفاهمات المصالح والتجارة التي أبرمت عبر عدة اتفاقيات بين قيادة الجيش وقيادة “الدعـ.ـم السريـ.ـع”، بما يضيّق فرص الحوار الوطني ويحول دون بناء توافق سوداني واسع.
كما أن توظيف الخطاب الديني في التعبئة للحـ.ـرب، وإضفاء طابع عقائدي على الصـ.ـراع، يمثلان خطرًا إضافيًا على وحدة المجتمع وعلى مستقبل الدولة الوطنية.
▪️ ويؤكد حزب البعث أن المؤتمر الوطني والحركة المتأسلمة وواجهاتهما السياسية والتنظيمية والأمنية وشبكات النظام السابق، لا يجوز أن تتحول إلى جهة وصاية على حاضر ومستقبل السودان، أو أن تحصل على حق التقرير في شكل الدولة ونظام الحكم والاقتصاد من خلال نفوذها داخل مؤسسات الحـ.ـرب.
ومن هذا المنطلق، فإن إبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية والتنظيمية عن السلطة وعن ترتيبات العملية السياسية الانتقالية يمثل شرطًا أساسيًا لأي سلام مستدام. ولا يجوز الالتفاف على هذا المبدأ عبر تغيير المسميات أو استخدام واجهات جديدة تعيد إنتاج ذات المنظومة ومراكز نفوذها.
▪️ إن هذا الموقف لا يعني مصادرة التعددية السياسية والفكرية أو إقصاء القوى لمجرد اختلافها الفكري والسياسي، وإنما يستهدف منع عودة منظومة الاستبداد والفساد والتمكين والانقلاب، ومحاسبة المسؤولين عن الجـ.ـرائم والانتـ.ـهاكات، وتفكيك شبكات المصالح التي ارتبطت بإشعال الحـ.ـرب واستمرارها.
وأن يكون معيار المشاركة في العملية السياسية هو الالتزام بوحدة السودان وبالسلام والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والمساءلة عن الانتـ.ـهاكات واحترام إرادة الشعب، مع استبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته من ترتيبات الانتقال السياسي.
خامسًا: تضييق هامش المناورة السياسية أمام سلطات الأمر الواقع
إن التطورات العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية تضع سلطات الأمر الواقع أمام مساحة متزايدة الضيق من الخيارات السياسية، وتحد من قدرتها على المناورة والاعتماد على تعدد التحالفات الخارجية لكسب الوقت أو تحسين شروطها التفاوضية.
فعلى المستوى العسكري، لم تحقق الحـ.ـرب الحسم الذي راهنت عليه قيادة الجيش، كما أن اتساع استخدام المسيّرات وتعدد جبهات القـ.ـتال واستمرار الاستنزاف يرفع كلفة المواجهة ويضعف فرص تحويل المكاسب الميدانية إلى استقرار سياسي أو سيطرة مستدامة.
▪️ وعلى المستوى السياسي، تواجه السلطة أزمة شرعية متصلة بالانقلاب على المسار الانتقالي في 25 أكتوبر 2021، ثم استمرار الحكم العسكري والحـ.ـرب، فضلًا عن ضعف التوافق الوطني حول تمثيلها وأهليتها لتقرير حاضر ومستقبل البلاد.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن هامش حركتها يتأثر بتزايد الضغوط الأمريكية والأوروبية والعقوبات المفروضة، المطالبة بوقف الحـ.ـرب، ورفض استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحـ.ـاربة، والدفع نحو عملية سياسية مدنية ذات مصداقية.
وتواجه الحكومة كذلك تعقيدات في علاقاتها مع دول الجوار.
إن المصالح المتباينة لدول الجوار لا تعني وجود موقف إقليمي موحد تجاه حكومة البرهان، لكنها تكشف أن استمرار الحـ.ـرب لم يعد خيارًا مقبولًا لبعض دول الجوار، وأن اتساع آثارها يفرض ضغوطًا متزايدة باتجاه احتوائها.
▪️وتضاف إلى ذلك الضغوط المرتبطة بتراجع فرص الاعتراف السياسي الواسع لسلطات الأمر الواقع، وصعوبة توفير دعم اقتصادي واستثماري في ظل استمرار الحـ.ـرب والعقوبات والمخاطر الأمنية، وتزايد الاعتماد على علاقات خارجية محدودة لا تستطيع تعويض كلفة العزلة أو توفير مقومات التعافي الاقتصادي الوطني.
كما أن الرهان على روسيا أو غيرها من القوى الدولية لتوفير مظلة سياسية واقتصادية وعسكرية بديلة لا يقدم ضمانة للخروج من الأزمة، فمصالح الدول الكبرى تحكمها حساباتها الاستراتيجية وتوازنات تقاسم النفوذ، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن الحل الوطني أو عن استعادة الشرعية المدنية.
▪️وتكشف هذه المعطيات أن حكومة البرهان تواجه معادلة صعبة، فاستمرار الحـ.ـرب يفاقم الضغوط الداخلية والخارجية، والقبول بتفاوض جاد يفرض التخلي عن احتكار القرار السياسي والقبول بترتيبات لا تضمن استمرار سلطتها الحالية وسلطة “الدعـ.ـم السريـ.ـع”.
هذا الواقع يفرض أهمية العمل السياسي والجماهيري المنظم لاستثمار تضييق هامش المناورة، وتحويل الضغوط القائمة إلى قوة تدفع باتجاه وقف الحـ.ـرب، بدلًا من تركها مجرد ضغوط دبلوماسية قابلة للاحتواء أو المساومة.
كما أن المطلوب هو توظيف هذا الواقع لانتزاع تنازلات حقيقية من طرفي الحـ.ـرب، لا لتحسين شروط أحدهما في مواجهة الآخر.
سادسًا: الدور الإقليمي والدولي ومبادرة الرباعية
أصبحت الأزمة السودانية جزءًا من معادلات إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان، بحكم موقعه الجغرافي واتصاله بالبحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي والساحل الإفريقي، وتأثير استقراره على أمن دول الجوار وحركة التجارة والهجرة وموازين النفوذ الإقليمي.
وقد أظهرت التجربة أن التدخلات الخارجية لم تكن عاملًا مساعدًا على إنهاء الحـ.ـرب بالقدر المطلوب، وأن استمرار تدفق السـ.ـلاح والتمويل والإمداد إلى طرفي الصـ.ـراع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أسهم في إطالة أمد المواجهات وتعقيد فرص الحل.
▪️ إن موقف حزب البعث من هذه التدخلات ينطلق من رفض أي دعم خارجي عسكري أو مالي أو سياسي يسهم في استمرار الحـ.ـرب، ورفض استخدام الأراضي أو الموانئ أو الأجواء أو خطوط الإمداد الإقليمية لتغذية الصـ.ـراع. كما يرفض تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
وتتحمل دول الإقليم مسؤولية مباشرة في مراجعة سياساتها تجاه السودان، والكف عن دعم أطراف الحـ.ـرب أو توفير الغطاء لها، والعمل على جعل استقرار السودان ووحدته وسلامة شعبه وأرضه أولوية مشتركة للإقليم.
▪️ أما على المستوى الدولي، فإن مواقف المجتمع الدولي، وما يصدر عن مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة الإيقاد، يفترض أن تشكّل عناصر مهمة في الضغط من أجل إنهاء الحـ.ـرب، شريطة أن تتحول المواقف المعلنة إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
▪️وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تملكه دولها من أدوات تأثير واتصالات مباشرة بالأطراف السودانية، وما يمكن أن تمارسه من ضغوط سياسية واقتصادية ودبلوماسية.
▪️ وقد طرحت الرباعية في سبتمبر 2025 إطارًا يقوم على ذات رؤية القوى السياسية والاجتماعية الرافضة للحـ.ـرب، التي تتأسس على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه مسار انتقالي مدني خلال تسعة أشهر، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين. واستبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته من العملية السياسية الانتقالية.
وتكمن أهمية هذا الإطار في إقراره الصريح بعدم وجود حل عسكري قابل للاستمرار، وضرورة الوصول إلى حل تفاوضي بمشاركة طرفي القـ.ـتال، وتهيئة الظروف لانتقال ديمقراطي مدني شامل.
غير أن المبادرات لا تقاس بما تتضمنه من مبادئ وتصورات، وإنما بقدرتها على انتزاع التزامات ملزمة من أطراف الحـ.ـرب، وضمان تنفيذها. وقد كشفت المواقف المتباينة من مقترحات وقف إطلاق النار، وشروط الانسحاب والتمركز والترتيبات الأمنية، عن استمرار محاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي من خلال الميدان العسكري.
▪️ ومن هنا فإن المطلوب من الرباعية الانتقال من مرحلة إصدار البيانات والمقترحات إلى ممارسة ضغط متزامن ومتوازن على طرفي الحـ.ـرب، وعدم السماح لأي طرف باستخدام علاقاته الإقليمية أو الدولية لتعطيل العملية التفاوضية.
ونرى أن ذلك يتطلب:
1- إعلان جدول زمني واضح وملزم لوقف إطلاق النـ.ـار، يبدأ بوقف شامل للعمليات الهجـ.ـومية والقـ.ـصف الجوي والمدفعي واستخدام المسيّرات ضد المناطق المدنية والمنشآت الحيوية.
2- إنشاء آلية دولية وإقليمية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النـ.ـار والتحقق من الالتزام به، وتحديد المسؤولية عن الخروقات.
3- وقف جميع أشكال الدعم العسكري والمالي واللوجستي الخارجي لطرفي الحـ.ـرب، ووضع آلية للتحقق من تنفيذ هذا الالتزام.
4- ضمان فتح الممرات الإنسانية ووصول المساعدات إلى جميع أنحاء السودان، دون تمييز أو إخضاعها للاعتبارات العسكرية.
5- الاتفاق على ترتيبات أمنية وعسكرية متدرجة، تتناول تجميع القوات، والانسحاب من المناطق المدنية، ومعالجة أوضاع القوي المسلحة، وصولًا إلى جيش وطني مهني واحد.
6- إطلاق سراح المعتقلين والأسرى، والكشف عن مصير المفقودين، ووقف الاعتقالات التعسفية والانتـ.ـهاكات ضد المدنيين.
7- إطلاق مسار سياسي مدني سوداني مستقل وشامل، لا يخضع لوصاية الأطراف العسكرية أو لمصالح الدول الراعية للحـ.ـرب، مع استبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته من ترتيبات العملية الانتقالية.
8- ربط أي دعم دولي لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي بتقدم حقيقي في وقف الحـ.ـرب والانتقال المدني واحترام حقوق الإنسان.
▪️ ونؤكد أن الرباعية، على الرغم من أهميتها، لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الإرادة السودانية، ولا أن تتحول إلى جهة تقرر نيابة عن السودانيين مستقبل بلادهم. كما أن نجاحها يتطلب توحيد مسارات الوساطة، وتجنب تعدد المنابر وتضارب المبادرات.
سابعًا: مسؤولية القوى السياسية والمدنية الديمقراطية والفصائل المسلحة غير المتورطة في الحـ.ـرب
إن مسؤولية إنهاء الحـ.ـرب لا تقع على المجتمع الدولي وحده، ولا يجوز اختزالها في انتظار توافق طرفي القـ.ـتال. فهناك مسؤولية وطنية مباشرة تقع على القوى السياسية والاجتماعية والمدنية التي لم تتورط في دعم الحـ.ـرب، وعلى القوى العسكرية والمـ.ـسلحة التي لم تنخرط في القـ.ـتال أو توفر له الغطاء.
نحن أمام ضرورة تاريخية لإعادة بناء مركز سياسي مدني وطني مستقل يمتلك رؤية مشتركة، ويستطيع مخاطبة طرفي الحـ.ـرب والمجتمع الإقليمي والدولي من موقع الإرادة السودانية، لا من موقع التبعية لأي طرف خارجي.
وتتمثل المهام الأساسية لهذه القوى في:-
أولًا: بناء جبهة شعبية واسعة مناهضة للحـ.ـرب
تضم الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والمهنية، ولجان الطوارئ والتكايا والمقاومة، والمبادرات الشبابية والنسوية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة، والقوى الاجتماعية، وكل من يؤمن بضرورة وقف الحـ.ـرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.
على أن تقوم هذه الجبهة على برنامج سياسي متوافق عليه وعلى آليات تنفيذه، لا على مجرد إعلان رفض الحـ.ـرب، وأن تعتمد آليات ديمقراطية في اتخاذ القرار، وتمثيلًا عادلًا لمكوناتها، وقيادة جماعية تمنع احتكار العمل السياسي أو اختزاله في شخصيات ومراكز بعينها.
ثانيًا: بلورة موقف تفاوضي سياسي مدني موحد.
إذ يتعين على القوى السياسية والمدنية أن تتفق على الحد الأدنى من المبادئ التي لا يجوز التنازل عنها، وفي مقدمتها وقف الحـ.ـرب، وحماية المدنيين، ووحدة السودان، واستقلال القرار الوطني، ورفض الحكم العسكري، واستعادة السلطة المدنية، والعدالة والمساءلة، وعدم الإفلات من العقاب، واستبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته من ترتيبات الانتقال.
كما ينبغي أن تطرح تصورًا متوافقًا عليه للمرحلة التي تعقب وقف إطلاق النـ.ـار، حتى لا تترك مستقبل البلاد رهينة لتفاهمات عسكرية مغلقة أو ترتيبات تفرضها القوى الخارجية أي كانت.
ثالثًا: فتح قنوات التواصل مع الفصائل المسـ.ـلحة غير المتورطة في الحـ.ـرب، والعمل على استقطاب الضباط والقيادات العسكرية الوطنية “بالتقاعد” الرافضة لاستمرار الحـ.ـرب، والفصائل المـ.ـسلحة التي لم تشارك في القـ.ـتال، إلى موقف وطني مشترك يدعم وقف إطلاق النـ.ـار والحل السياسي، ويحمي وحدة البلاد واستقلاله، ويؤمن الانتقال إلى جيش مهني قومي واحد خاضع كبقية المؤسسات، للسلطة الدستورية المدنية.
وأن يقوم هذا التواصل على ضمان استقلال المؤسسة العسكرية عن الصـ.ـراع والتنافس السياسي، وعلى إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والملـ.ـيشيات المـ.ـسلحة، وفق ترتيبات متفاوض عليها بمخطط مضمون التنفيذ.
رابعًا: منع احتكار التمثيل السياسي والمدني، فلا يجوز أن تتحول أي مجموعة سياسية أو تحالف مدني إلى ممثل حصري وحيد للشعب السوداني أو للقوى الرافضة للحـ.ـرب. فالتعددية السياسية والاجتماعية ثروة وطنية ينبغي استيعابها وممارستها منذ الآن وفي المستقبل، والمطلوب هو إدارة الاختلاف والتباين، داخل جبهة مشتركة، لا التقليل منه أو إلغائه أو تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحـ.ـرب.
ثامنًا: الحركة الجماهيرية والقوى الحية ودورها في صناعة الضغط الوطني
إن الجماهير السودانية هي صاحبة المصلحة الأولى في وقف الحـ.ـرب، وهي القوة الاجتماعية الأوسع والقادرة على تحويل الموقف الرافض لها إلى ضغط سياسي مؤثر.
وقد أثبتت الانتفاضات من أكتوبر 1964، وانتفاضة مارس أبريل 1985، وانتفاضة ديسمبر الثورية 2018، أن الشعب السوداني يمتلك قدرة هائلة على الحشد والتنظيم والمبادرة والتأثير والقيادة، وأن إرادة الجماهير قادرة على تغيير الموازين عندما تبتدع أدواتها التنظيمية والقيادية وتطورها.
غير أن ظروف الحـ.ـرب والنزوح والتشريد وانعدام الأمن، وتشتت القوى السياسية والاجتماعية؛ أضعفت أشكال التعبير الجماهيري التقليدية. وهذا يفرض تطوير وسائل العمل والاتصال الجماهيري بما يتناسب مع طبيعة المرحلة، وتجنب الدعوات الفوقية التي تعرض المواطنين لمخاطر أمنية أو تستنزف قدراتهم دون تحقيق نتائج ملموسة.
ونرى أن تفعيل الدور الجماهيري يتطلب العمل في الاتجاهات التالية:
1- إعادة الاعتبار للمبادرات واللجان الشعبية ولجان الطوارئ والتكايا، واللجان المهنية والنقابية ولجان الدفاع عن الحقوق والحريات والنازحين، في مناطق وجود المواطنين، وربطها بقضاياهم المعيشية والخدمية المباشرة.
2- بناء شبكات تضامن اجتماعي وإغاثي لمساعدة النازحين والمتضررين والأسر الأكثر احتياجًا، بما يعزز الثقة والعمل المشترك.
3- تنظيم حملات توعية وطنية تشرح مخاطر لستمرار الحـ.ـرب، وتكشف المصالح التي تستفيد منها، وتدحض خطاب التعبئة والكراهـ.ـية والتخوين.
4- تطوير أشكال التعبير السلمي والجماهيري والإعلامي بمختلف أشكاله، بما فيها البيانات المشتركة والندوات والحوارات والوقفات والحملات المدنية، وفق الظروف الممكنة لكل منطقة حسب التقديرات.
5- تفعيل دور النقابات والأجسام المهنية والاتحادات الطلابية والنسوية والشبابية في الضغط من أجل وقف الحـ.ـرب وحماية الخدمات الأساسية.
6- توثيق الانتـ.ـهاكات والجـ.ـرائم والاعـ.ـتداءات على المدنيين والمرافق العامة، وتوفير المعلومات الموثوقة للجهات القانونية والحقوقية.
7- بناء روابط مستمرة مع السودانيين في الخارج، وتوجيه دور الجاليات والفعاليات الوطنية نحو الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لوقف إمداد الحـ.ـرب بالسـ.لاح والمال.
▪️ إن المطلوب ليس استدعاء الجماهير إلى تحركات شكلية أو شعارات لا تسندها برامج عملية؛ وإنما بناء نشاط جماهيري متصاعد ومستمر، يستند إلى قضايا المواطنين، همومهم وأولوياتهم، ويربط بين مطالبهم اليومية والفئوية والمطلب الوطني الأول لوقف الحـ.ـرب واستعادة السلطة المدنية وإعادة الإعمار.
وأن تتقدم القوى السياسية بخطاب يلامس معاناة المواطنين، ويستوعب حجم ما تعرضوا له من فقد وتشريد ودمـ.ـار، ويتجنب المزايدات السياسية أو استخدام آلامهم في الصراع السياسي والاجتماعي على السلطة.
تاسعًا: إطار العملية التفاوضية ومآلات الحل الوطني
▪️إن موقف حزب البعث العربي الاشتراكي من التفاوض يستند إلى قناعة راسخة بأن الحـ.ـرب لا يمكن أن تنتهي إلا عبر عملية سياسية تفاوضية، تفضي إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النـ.ـار، وتضع حدًا لتعدد مراكز القوة المـ.ـسلحة، وتفتح الطريق أمام معالجة مسببات الأزمة الوطنية الشاملة. وأن لا يكون التفاوض غاية في ذاته، أو وسيلة لإعادة توزيع السلطة بين أطراف الحـ.ـرب ومن والاهم، أو لتقاسم النفوذ والمواقع. فالمعيار الوطني لنجاحه هو قدرته على إنقاذ الشعب السوداني، وحماية وحدة البلاد، وإيقاف التقهقر وإنهاء عسكرة الحياة السياسية والاقتصادية، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية.
ومن هذا المنطلق، يطرح حزب البعث المقترحات التالية:
1- وقف شامل وفوري لإطلاق النـ.ـار. يشمل جميع جبهات القـ.ـتال، والعمليات البرية والجوية، والقصـ.ـف المدفعي، والهـ.ـجمات بالطائرات المسيّرة، مع ضمانات وآليات مستقلة للمراقبة وللتحقق من الالتزام.
2- ترتيبات إنسانية وأمنية عاجلة تتضمن حماية المدنيين، وتأمين الممرات الإنسانية، وإطلاق سراح المحتجزين، ووقف الاعتقالات والانتهـ.ـاكات، وحماية المنشآت العامة والخاصة.
3- معالجة قضية القوات والملـ.ـيشيات المسـ.ـلحة، بما يضمن إنهاء تعدد الجيوش ومراكز القيادة، وإعادة بناء القوات المسـ.ـلحة على أسس مهنية وقومية، وإخضاعها للدستور والسلطة المدنية، مع معالجة أوضاع القوات الأخرى وفق برنامج متفق عليه ومحدد زمنيًا.
4- إطلاق عملية سياسية مدنية مستقلة تشارك فيها القوى السياسية والمدنية والنقابية والمجتمعية، والنساء والشباب، وممثلو الأقاليم والنازحين واللاجئين، والفصائل المسـ.ـلحة التي تلتزم بالتحول المدني، دون وصاية من طرفي الحـ.ـرب أو احتكار من أي تحالف سياسي، مع استبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية والتنظيمية من ترتيبات الانتقال.
5- الاتفاق على ترتيبات انتقالية ذات شرعية تؤسس لسلطة مدنية انتقالية مستقلة، بمهام محددة متوافق عليها وجدول زمني تنفيذي، وتعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح الخدمة المدنية والأجهزة النظامية، وتهيئة الظروف لممارسة التعددية السياسية والانتخابات الحرة النزيهة.
6-العدالة الانتقالية والمساءلة التي تضمن كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن جـ.ـرائم الحـ.ـرب والانتـ.ـهاكات الجسيمة، وجبر الضرر، وإنصاف الضحايا، ومعالجة قضايا المفقودين والمعتقلين والنازحين، دون انتقائية أو إفلات من العقاب.
7-برنامج وطني للتعافي وإعادة الإعمار يعيد تشغيل القطاعات الإنتاجية والخدمية، ويعالج الدمـ.ـار الذي لحق بالبنية التحتية، ويعيد تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية، ويضع أسسًا لاقتصاد منتج متعدد ومتوازن القطاعات يحقق العدالة الاجتماعية ويحد من الفقر والبطالة والتفاوت في التطور والنمو.
8- حوار سوداني – سوداني حول مسببات الأزمة الوطنية الشاملة يتناول قضايا “المؤتمر الدستوري” الهوية، وعلاقة الدين بالدولة، ونظام الحكم، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وبناء الدولة الوطنية، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية، ومبادئ الدستور، بما يضمن عدم إعادة إنتاج أسباب الحـ.ـرب والانقلابات والاستبداد.
▪️إن هذه الموجهات المقترحة لا تعني وضع كل القضايا على طاولة واحدة منذ اللحظة الأولى؛ وإنما تقتضي ترتيبها في مسارات متكاملة، تبدأ بوقف الحـ.ـرب وحماية المواطنين وإغاثتهم، ويتواصل الثاني بالترتيبات الأمنية والسياسية، وصولًا إلى معالجة المسببات الحقيقية للأزمة وبناء دولة الوحدة والعدالة والمساواة واستدامة الديمقراطية بالتنمية المتوازنة شعبيًا وجغرافيًا.
▪️ إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق، لا يحتمل المزيد من الانتظار أو المراهنة على تغيير موازين القوة العسكرية، فكل يوم تستمر فيه الحـ.ـرب يضيف إلى رصيد الخراب خرابًا ويعمق الانقسام المجتمعي والسياسي، ويضعف مؤسسات الدولة، ويقرب البلاد من مخاطر التفكك والتفتيت.
إن وقف الحـ.ـرب مسؤولية وطنية لا يجوز تعليقها على إرادة ورغبات الأطراف المتحـ.ـاربة وحدها، كما لا يجوز تركها رهينة لتوازنات المصالح الإقليمية والدولية؛ فالشعب السوداني الذي دفع ثمن هذه الحـ.ـرب من أمنه ودمـ.ـه وموارده ومستقبله، هو صاحب الحق في التقرير في مصير حاضر ومستقبل بلاده واختيار وبلورة نظام الحكم والاقتصاد الذي يحقق طموحاته.
▪️ ويوكد حزب البعث أن موقفه الرافض للحـ.ـرب لا ينطلق من الحياد تجاه الجـ.ـرائم المرتكبة أو تجاه القوى التي أشعلتها أو تعمل على استمرارها؛ وإنما من الانحياز إلى الشعب السوداني وحقه في الحياة والأمن والحرية والعدالة. كما أن رفض الحـ.ـرب لا يعني التنازل عن المحاسبة أو القبول بإعادة إنتاج النظام السابق أو شرعنة الأمر الواقع العسكري.
إن السلام الذي ننشده ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، ولا اتفاقًا لتقاسم السلطة بين المتـ.ـحاربين؛ وإنما عملية وطنية شاملة تنهي الحـ.ـرب، وتستعيد وحدة البلاد، وتؤسس لسلطة مدنية ديمقراطية، تعيد بناء المؤسسات الوطنية على أسس مهنية، وتضمن العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتحفظ استقلال القرار الوطني.
▪️ كما نوكد أن التمسك بإبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته عن السلطة وعن ترتيبات الانتقال المدني يمثل أحد الشروط الأساسية لمنع إعادة إنتاج منظومة الاستبداد والتمكين، وأن أي عملية سياسية تتجاهل هذه الحقيقة ستظل عرضة لإعادة إنتاج أسباب الأزمة والحـ.ـرب والعزلة الشعبية وعدم الاستقرار.
ومن هنا فإننا ندعو القوى السياسية المدنية الديمقراطية والنقابية والمهنية والشبابية والنسوية، والقوى الاجتماعية الحية، والفصائل المسـ.ـلحة التي لم تتورط في الحـ.ـرب، إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية، والعمل المشترك من أجل بناء جبهة شعبية واسعة تضغط سياسيًا وجماهيريًا وأعلاميًا على طرفي الحـ.ـرب وداعميهما، وتدفع باتجاه مفاوضات جادة تفضي إلى وقف إطلاق النـ.ـار وإنهاء الحـ.ـرب.
▪️ كما ندعو الرباعية والمؤسسات الإقليمية والدولية إلى تحمل مسؤولياتهم، وتحويل تعهداتهم إلى إجراءات عملية توقف تدفق السـ.ـلاح والتمويل، وتحمي المدنيين، وتضمن وصول المساعدات الإنسانية، وتدعم مسارًا سياسيًا مدنيًا مستقلًا يعبّر عن الإرادة السودانية.
▪️ إن معركة السودانيين اليوم هي معركة استعادة الدولة والحفاظ على الوحدة والسيادة وتحرير السياسة من السـ.ـلاح والتجييش ومن شبكات المصالح والهيمنة، واستعادة القرار الوطني من التدخلات الخارجية.
لا مستقبل للسودان مع استمرار الحـ.ـرب، ولا سلام مستدام دون معالجة مسبباتها وإفرازاتها.
▪️المجد للشعب السوداني وأحزابه ونقاباته وحركته الطلابية والجماهيرية، والحرية والعدالة والسلام والوحدة لبلادنا، وفي عليين شهداء نضالها الوطني والقومي.
حزب البعث العربي الاشتراكي
قيادة القطر
2026 /11/4

Leave a Reply