ود الأغبش
ثلاثون عاما من حكم عمر البشير انتهت بثورة شعبية أطاحت برأس النظام لكنها لم تقتلع جذوره. وبعد سنوات قليلة عاد السودان إلى المربع الأول بانقلاب عسكري ثم حرب مدمرة قسمت البلاد وشردت الملايين وأعادت إلى الواجهة السؤال الذي ظل يطارد السودانيين منذ سقوط الإنقاذ.
هل سقط نظام البشير فعلا أم سقط الرئيس وبقي النظام بأجهزته ومصالحه وشبكاته الاقتصادية والعسكرية؟
عندما نقارن كتاب البشير بكتاب البرهان نجد تشابها يستحق التحقيق لا في الشعارات وحدها بل في بنية السلطة وطريقة إدارتها وفي العلاقة بين الجيش والتنظيم السياسي والمال العام والسلاح.
الفصل الأول: دارفور والجريمة التي صنعت المليشيا
لم تبدأ مأساة دارفور في الخامس عشر من أبريل 2023 بل تعود جذورها إلى عهد البشير عندما واجهت السلطة التمرد المسلح بسياسة تسليح المليشيات المحلية واستخدامها في عمليات عسكرية ضد الحركات المتمردة.
تحولت دارفور إلى مسرح لجرائم قتل وتهجير واغتصاب وحرق قرى وثقتها تقارير دولية وحقوقية.
وفي عام 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ثم أضافت في عام 2010 اتهامات بالإبادة الجماعية.
لكن المفارقة التاريخية أن المليشيات التي استخدمها نظام البشير أصبحت لاحقا جزءا من الأزمة التي تهدد وجود الدولة نفسها.
ففي عام 2013 تأسست قوات الدعم السريع رسميا في عهد البشير بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي.
وهنا يبرز السؤال الاستقصائي الأول.
من الذي صنع الدعم السريع ومن الذي سلحه ومن الذي منحه الشرعية والمال والنفوذ؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في حميدتي وحده.
فالدعم السريع لم يولد خارج الدولة بل نشأ برعاية السلطة وتوسع تحت مظلتها ثم اكتسب وضعا قانونيا ونفوذا عسكريا واقتصاديا جعله قوة موازية للجيش.
الفصل الثاني: البشير أسس والبرهان مكن
إذا كان البشير قد أسس الدعم السريع فإن مرحلة البرهان شهدت استمرار صعود حميدتي داخل هرم السلطة.
بعد سقوط البشير في أبريل 2019 أصبح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي وأصبح حميدتي نائبه.
ثم انتقلا معا إلى مجلس السيادة خلال الفترة الانتقالية.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 اشترك الرجلان في الانقلاب على الترتيبات الانتقالية المدنية.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات السياسة السودانية.
كيف أصبح قائد مليشيا نشأت في ظل نظام البشير الرجل الثاني في الدولة بعد الثورة التي أطاحت بذلك النظام؟
ولماذا لم تخضع قوات الدعم السريع لعملية دمج مؤسسية حقيقية داخل جيش وطني موحد؟
ومن الذي سمح باستمرار استقلالها في القيادة والتجنيد والانتشار والنشاط الاقتصادي؟
إن مسؤولية البرهان السياسية لا تنبع من كونه مؤسس الدعم السريع بل من موقعه القيادي في الدولة خلال مرحلة توسع نفوذها واستمرار وجودها كقوة مستقلة.
لقد ورث البرهان المؤسسة التي صنعها البشير لكنه لم ينجح في إنهاء ازدواجية السلاح.
ثم انفجر الصراع بين الحليفين السابقين وتحولت البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة.
الفصل الثالث: التمكين ونهب الدولة
لم يكن التمكين في عهد البشير مجرد تعيين أعضاء الحركة الإسلامية في الوظائف الحكومية.
كان مشروعا لإعادة تشكيل الدولة بحيث تتداخل السلطة السياسية مع الأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية والشركات المرتبطة بالنفوذ.
نشأت شبكات مصالح استفادت من العقود الحكومية والامتيازات والإعفاءات والأنشطة التجارية المرتبطة بمراكز السلطة.
وبعد سقوط البشير طرحت الثورة سؤال تفكيك هذه الشبكات واسترداد الأموال العامة.
لكن انقلاب أكتوبر 2021 أوقف مسار الانتقال المدني وأضعف جهود تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وأتاح عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع نفوذ.
والسؤال هنا ليس فقط كم نهب نظام البشير من أموال الدولة.
بل أين ذهبت الأموال التي كان يفترض استردادها؟
ومن يسيطر اليوم على الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية؟
وأين تذهب عائدات الذهب والموارد العامة؟
وما حجم الأموال التي تدخل الخزانة العامة مقارنة بالأموال التي تديرها مؤسسات خارج الرقابة المدنية؟
إن التحقيق الحقيقي في الفساد لا يكتمل بالاتهامات السياسية بل يبدأ بكشف ملكية الشركات وحساباتها وعقودها وأوجه إنفاق إيراداتها.
الفصل الرابع: الانقلابات والولاء للتنظيم
وصل البشير إلى السلطة بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 الذي نفذته الجبهة الإسلامية القومية عبر ضباط في الجيش.
أما البرهان فقد قاد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 التي أنهت الشراكة الانتقالية مع المدنيين وأعادت السلطة الفعلية إلى المؤسسة العسكرية.
تختلف الظروف والشخصيات لكن النتيجة السياسية تتشابه.
إقصاء المدنيين عن مركز القرار وتعطيل الانتقال الديمقراطي وإعادة إنتاج الحكم العسكري.
وفي عهد البشير كانت العلاقة بين التنظيم الإسلامي والدولة معلنة في كثير من مراحل الحكم.
أما في عهد البرهان فإن طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية وشبكات الإسلاميين العائدة إلى المشهد تستدعي تحقيقا مستقلا يميز بين التحالف السياسي والتغلغل المؤسسي والولاء التنظيمي المباشر.
فليس كل ضابط إسلاميا وليس كل قرار عسكري صادرا عن تنظيم سياسي.
لكن وجود كوادر مرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة وتشكيلات القتال يطرح أسئلة مشروعة عن النفوذ والمساءلة.
هل ولاء المؤسسة العسكرية للدستور والشعب أم لمراكز القوى التي تضمن استمرار السلطة؟
الفصل الخامس: دماء الثوار بين عهدين
خرج السودانيون في ديسمبر 2018 مطالبين بالحرية والسلام والعدالة.
واجهتهم أجهزة نظام البشير بالقمع والاعتقالات والقتل.
وبعد سقوط البشير لم تتوقف الانتهاكات.
ففي الثالث من يونيو 2019 تعرض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم لفض دموي خلف أعدادا كبيرة من القتلى والمفقودين والمصابين.
وكان البرهان وحميدتي على رأس المجلس العسكري الانتقالي وقتها.
ثم شهد السودان بعد انقلاب أكتوبر 2021 احتجاجات واسعة تعرض خلالها متظاهرون للقتل والإصابة بحسب توثيق منظمات حقوقية ولجان طبية.
وهنا السؤال الذي لم يحصل السودانيون على إجابة عادلة عنه.
من أصدر الأوامر؟
ومن نفذ؟
ومن وفر الحماية للمتهمين؟
ولماذا تعثرت المحاسبة؟
إن المسؤولية الجنائية الفردية تحتاج إلى أدلة وتحقيقات قضائية لكن المسؤولية السياسية عن حماية المواطنين لا يمكن إسقاطها بمجرد إنكار العلم أو تبادل الاتهامات.
لقد سقط البشير وبقي مطلب القصاص معلقا ثم جاءت الحرب لتضيف آلاف الضحايا إلى سجل الدم السوداني.
الفصل السادس: الكذب والمراوغة وصناعة الوعود
في عهد البشير تكررت الوعود بالإصلاح والحوار الوطني ومحاربة الفساد بينما ظلت السلطة الفعلية محصورة داخل النظام.
وفي عهد البرهان تكررت التعهدات بتسليم السلطة للمدنيين والابتعاد عن العمل السياسي وإكمال الانتقال الديمقراطي.
لكن الواقع سار في اتجاه مختلف.
انقلاب ثم أزمة سياسية ثم حرب.
فهل كانت الوعود تعبيرا عن نوايا حقيقية أجهضتها الصراعات أم وسيلة لكسب الوقت وإعادة ترتيب موازين القوة؟
هذا السؤال لا تجيب عنه الخطب وإنما تجيب عنه القرارات والوثائق وتسلسل الأحداث.
فالسياسي لا يحاسب على ما يقوله أمام الكاميرات فقط بل على ما يفعله عندما تصبح السلطة بين يديه.
الفصل السابع: العقوبات الدولية وغياب المحاسبة
واجه نظام البشير عقوبات أمريكية طويلة قبل رفع العقوبات الاقتصادية الشاملة في عام 2017 كما ظلت شخصيات مرتبطة بجرائم دارفور خاضعة لعقوبات دولية.
وأصبح البشير نفسه مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرتي توقيف تتعلقان بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واتهامات بالإبادة الجماعية. وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حكم نهائي ضده.
أما الحرب الحالية فقد أعادت ملف العقوبات والمحاسبة الدولية إلى الواجهة.
لكن السؤال الأهم هو لماذا يدفع المواطن ثمن العزلة الاقتصادية والسياسية بينما تظل شبكات النفوذ قادرة على الوصول إلى الموارد والأسواق وطرق التجارة؟
وهل تكفي العقوبات الفردية إذا بقيت المؤسسات الاقتصادية والعسكرية خارج الشفافية والمحاسبة؟
الفصل الثامن: الذهب والموارد ومن يملك اقتصاد الحرب؟
يمتلك السودان الذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والمياه ومقومات اقتصاد قادر على إعالة شعبه.
لكن هذه الموارد تحولت في ظل الصراع على السلطة إلى أحد مصادر تمويل القوة والنفوذ.
وفي عهد البشير توسعت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية وبشبكات المصالح السياسية.
وفي المرحلة التالية استمر الجدل حول سيطرة المؤسسات النظامية وقوات الدعم السريع وشركات مرتبطة بها على أنشطة اقتصادية واسعة.
فمن يبيع الذهب السوداني؟
ومن يحصل على العملات الأجنبية؟
ومن يمول شراء السلاح؟
وما حجم الإيرادات التي لا تظهر في الموازنة العامة؟
وأين تذهب أموال الصادرات في وقت يعجز فيه المواطن عن الحصول على الغذاء والدواء والكهرباء؟
هذه ليست أسئلة اقتصادية معزولة عن السياسة.
إنها أسئلة عن طبيعة الدولة نفسها.
فحين تتحول القوة المسلحة إلى مصدر للثروة وتتحول الثروة إلى وسيلة لشراء المزيد من السلاح يصبح الاقتصاد جزءا من دورة الحرب.
الفصل التاسع: الحرب آخر صفحات الكتاب أم بداية كتاب جديد؟
في الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ولم تكن الحرب بين مؤسستين غريبتين عن بعضهما.
كانت بين قوتين تقاسمتا السلطة بعد سقوط البشير وشاركت قيادتهما في انقلاب أكتوبر 2021.
وهنا تكمن المفارقة.
القوة التي أسسها نظام البشير والقوة العسكرية التي حكمت البلاد بعد سقوطه دخلتا في صراع دمر الدولة التي كانتا تتحدثان عن حمايتها.
وفي سبتمبر 2025 خلصت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن الجيش والدعم السريع ارتكبا انتهاكات واسعة بحق المدنيين شملت هجمات على البنية التحتية الضرورية للحياة. ووثقت البعثة جرائم جسيمة منسوبة للدعم السريع في دارفور بينها القتل والاغتصاب والتهجير والاضهاد
وهكذا لم تعد القضية مجرد صراع بين البرهان وحميدتي.
بل أصبحت قضية شعب يدفع ثمن نظام سياسي سمح بتعدد الجيوش وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية وغياب المحاسبة.
الفصل العاشر: من يحاسب المؤلفين؟
إذا كان البشير قد كتب فصول التمكين والقمع وتأسيس الدعم السريع فإن البرهان تولى قيادة الدولة في مرحلة كان يفترض أن تشهد تفكيك إرث النظام السابق وإعادة بناء المؤسسات.
لكن الذي حدث هو انقلاب على الانتقال المدني ثم حرب بين الحلفاء السابقين.
وهنا لا بد من التمييز بين المسؤولية التاريخية والمسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية.
فليس كل ما وقع في عهد البشير مسؤولا عنه البرهان بصورة شخصية ولا كل جريمة وقعت خلال الحرب تثبت مسؤولية قائد بعينه دون تحقيق.
لكن ذلك لا يلغي ضرورة مساءلة من تولوا قيادة الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية عن قراراتهم ودورهم في صناعة الأزمة أو تعميقها.
والسؤال الذي يجب أن يوجه إلى الجميع هو من منح السلاح ومن منح المال ومن وفر الغطاء السياسي ومن أصدر الأوامر ومن استفاد من استمرار الحرب؟
الخاتمة: الكتاب واحد والغلاف مختلف؟
ما بين كتاب البشير وكتاب البرهان تتغير الأسماء وتتبدل التحالفات وتختلف الشعارات.
لكن القاسم المشترك في التجربتين هو استمرار أزمة الحكم العسكري وتداخل السلطة بالسلاح والاقتصاد وتعثر بناء دولة المؤسسات.
البشير حكم باسم الإنقاذ وانتهى عهده بثورة شعبية.
والبرهان تولى السلطة بعد الثورة ثم قاد انقلابا وانتهت الشراكة العسكرية التي شارك فيها إلى حرب مدمرة.
الأول ترك دولة مثقلة بتركة الاستبداد والتمكين والحروب.
والثاني يواجه مسؤولية سياسية وتاريخية عن مسار انتقالي انهار وعن حرب اندلعت في ظل قيادة عسكرية كان على رأسها.
أما الشعب السوداني فلم يكن مؤلف هذا الكتاب ولا شريكا في كتابة فصوله الدموية.
كان هو الضحية التي دفعت من دمائها وأموالها ومستقبل أبنائها ثمن الصراع على السلطة.
والسؤال الأخير ليس هل يشبه البرهان البشير؟
بل لماذا ظل السودان ينتقل من انقلاب إلى انقلاب ومن مليشيا إلى مليشيا ومن حرب إلى حرب دون أن يصل إلى دولة يحكمها القانون؟
ولماذا يرحل الحاكم ويبقى النظام؟
ولماذا تتغير الوجوه ولا تتغير قواعد اللعبة؟
إن السودان لا يحتاج إلى طبعة جديدة من كتاب الحكم العسكري ولا إلى مؤلف جديد يعيد كتابة المأساة نفسها.
السودان يحتاج إلى إغلاق كتاب الانقلابات والتمكين والحروب وفتح كتاب الدولة المدنية والعدالة والمحاسبة وسيادة القانون.
فالأوطان لا تبنى بالبنادق ولا تحمى بالمليشيات ولا تنهض بنهب مواردها.
والشعوب لا تصنع الثورات لكي تستبدل حاكما عسكريا بحاكم عسكري آخر.
وإذا كان البشير قد كتب المقدمة فإن البرهان لم يكتب الخاتمة بعد لكن الشعب السوداني وحده من يملك الحق في إنهاء هذا الكتاب.
ملاحظة تحريرية: هذا مقال استقصائي تحليلي يستند إلى وقائع تاريخية وتقارير منشورة وليس تحقيقا ميدانيا قائما على وثائق مالية أصلية أو مقابلات مستقلة. الاتهامات الجنائية تحتاج إلى تحقيق وأدلة وأحكام قضائية. من أهم المراجع تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية لعام 2025 وملف البشير لدى المحكمة الجنائية الدولية.

Leave a Reply