صلاح الدين المكي
إن الأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، تقف اليوم أمام مفترق تاريخي تتنازع فيه تطلعات الشعب العربي إلى الحرية والكرامة مع واقع التجزئة والاستبداد والتبعية والحروب. وفي قراءة هذا الواقع ، تبرز ضرورة استعادة الوحدة والحرية والاشتراكية باعتبارها مشروعاً للتحرر والنهضة، لا مجرد شعارات موروثة.
لقد أثبتت أزمات العراق وفلسطين والسودان وسوريا واليمن وليبيا أن التجزئة ليست حدوداً جغرافية فحسب، بل ضعف في الإرادة المشتركة، تستفيد منه قوى الاستبداد والتدخلات الخارجية. فالوحدة المنشودة ليست هيمنة دولة على أخرى، وإنما تضامن الشعب العربي وتكامل مصالحه واحترام إرادته الحرة.
والحرية ليست زينة سياسية، بل شرط أساسي لنهضة الأمة؛ فلا كرامة وطنية دون كرامة المواطن، ولا استقلال حقيقياً مع مصادرة الحقوق وإقصاء الشعب العربي عن تقرير مصيره. كما أن الاشتراكية ليست شعاراً اقتصادياً جامداً، بل التزام بالعدالة الاجتماعية، ومواجهة الفقر والبطالة والفساد، وضمان حق الإنسان في حياة كريمة.
وهنا تتجلى مسؤولية الجيل العربي الثائر: ألا يكتفي برفض الواقع، بل أن يصنع بديلاً ديمقراطياً تقدمياً، يحول الغضب إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتضحيات إلى مشروع للتغيير. كما تقتضي هذه المسؤولية مراجعة التجارب السابقة، ونقد أخطائها، وتحرير الفكر القومي من الجمود والوصاية، دون التفريط في جوهره التحرري والإنساني.
إن استلهام تاريخ العرب فكرا وممارسة لا يعني تقديس الماضي أو تكراره، بل تجديد المشروع القومي على أساس الديمقراطية والمواطنة والعدالة، واحترام التنوع، ورفض الاستبداد والحروب والتبعية. فالأمة لا تستعيد دورها بالخطب والحنين إلى الأمجاد، وإنما ببناء دول تحترم شعبها، وتصون استقلاله وحريته، وتضع الإنسان في قلب التنمية والسياسة.
إن مشعل الوحدة والحرية والاشتراكية أمانة في يد الجيل العربي الثائر؛ والمطلوب منه ليس تكرار الماضي، بل نقد أخطائه وصناعة مستقبل يليق بتضحيات الشعب العربي من الخليج إلى المحيط. فلتكن الوحدة إرادة الشعب العربي، والحرية كرامة الإنسان، والاشتراكية عدالة المجتمع؛ ولتكن نهضة الأمة مشروعاً للتحرر والبناء، لا إعادة إنتاج للاستبداد بأسماء جديدة.

Leave a Reply