من دم القرشي وصوت محمد الأمين… أكتوبر التي أرعبت الطغاة

صحيفة الهدف

م. عادل أحمد محمد

في تاريخ الشعوب لحظات لا تُكتب بمداد الأقلام، بل بالدم المغلي والبارود. وتاريخ 21 أكتوبر 1964 ليس مجرد يوم عابر في التقويم، بل هو يوم القيامة السوداني المصغّر، الذي فجّره جيل رفض أن يُباع ويُشترى في مزادات الساسة وأروقة العسكر.

الخيانة الأولى.. عندما سلّم حزب الأمة الوطن في طبق من ذهب

قبل أن ينفجر البركان، كانت الخطيئة الكبرى. لم يأتِ الفريق إبراهيم عبود بانقلاب شقّ به عنان السماء، بل فُتحت له أبواب القصر الجمهوري بمفتاح ديمقراطي ملطّخ بالخيبة! لقد ارتكب حزب الأمة، بقيادة رئيس وزرائه آنذاك، عبد الله خليل، الجريمة التاريخية التي لا تسقط بالتقادم، حين عجزت النخب عن إدارة اللعبة السياسية وتصارعت الأحزاب، فما كان من خليل إلا أن استدعى جنرالات الجيش في 17 نوفمبر 1958، وسلّمهم رقاب السودانيين وخزائن بلادهم، في سابقة هي الأولى من نوعها في المنطقة! حكومة ديمقراطية تسلّم السلطة طواعية لديكتاتورية عسكرية!

ظنّ حزب الأمة وساسة ذلك العصر أنهم يُحكمون السيطرة، لكنهم فتحوا على السودان أبواب جحيم القمع وتكميم الأفواه، وإشعال الحرب في الجنوب، وخنق الحريات لست سنوات عجاف.

الشرارة.. جامعة الخرطوم لا تنام على ضيم!

لكنهم نسوا أن في هذا الوطن لحمًا لا يُهضم: الطلاب والشباب. لم يأتِ الخلاص من أروقة الأحزاب المهترئة التي باعتهم، بل من باحات جامعة الخرطوم؛ تلك الجامعة التي تحوّلت إلى خندق ثوري. ومن ندوة داخلية فجّرها وعي شبابي جارف، انطلقت رصاصات الشرطة الغادرة لتخترق صدر الشهيد أحمد القرشي طه.

كانت تلك الرصاصة هي الصاعق الذي فجّر برميلًا من الغضب المكبوت. لم يمت القرشي وحده، بل أطلق باستشهاده مارد الثورة من قمقمه، فخرجت الخرطوم في جنازته كطوفان نوح؛ لا قيادات تساوم، ولا أحزاب تفاوض، بل هدير الحناجر التي أقسمت ألّا تعود إلا برأس النظام!

جيل المستحيل.. فضل الله يكتب بالرصاص، ومحمد الأمين يزلزل الأرض

وسط هذا الغليان الذي حاصر القصر وأجبر عبود على الركوع، في أول ثورة شعبية تُسقط حكمًا عسكريًا في إفريقيا والعالم العربي، وتُلهم العالم معنى العصيان المدني، كان هناك فتى يافع في كلية القانون، يحمل في صدره براكين الغضب السوداني، اسمه فضل الله محمد.

لم يكن فضل الله يكتب ترفًا، ولا يصف ربيعًا؛ بل كان، وهو داخل معتقلات النظام، يسطّر بدمائه وبيان روحه:

«المجد للآلاف تهدر في الشوارع كالسيول
يدقّ زاحفها قلاع الكبت والظلم الطويل
يا صانع التاريخ
يا شعبي الذي سحق الظلام
المجد لك
ما أزهرت في الأرض ألوان النضال
البذل لك
ما صوّت الداعي ينادي: يا رجال
الخلد لك
يا صارم القسمات، يا حيّ الشعوب
يا شعب أصبح مرجلًا يغلي
وبركانًا يفور».

كلمات كأنها قذائف مدفعية نزلت على رؤوس الطغاة! وحين التقط هذه الذخيرة الحية العملاق محمد الأمين، لم يغنّها كأي لحن، بل وضع روحه في حنجرته وأوتار عوده. صرخ محمد الأمين بأعلى طبقات الصوت السوداني المتمرّد، فتحوّلت الأغنية إلى نشيد زلزال:

«من دم القرشي وإخوانه
في الجامعة أرضنا مروية
من وهج الطلقة النارية
أشعل نيران الحرية
بارك وحدتنا القومية
واعمل من أجل العمران».

كان أداء محمد الأمين تجسيدًا لحماسة الشباب الذين لا يملكون سوى صدورهم العارية أمام الدبابات. كانت تقاسيم عوده تصكّ آذان الجنرالات في القيادة العامة كأنها أصوات المدافع، ويمتد صوته ليوقظ كل قرية ومدينة على امتداد الوطن: هنا السودان.. هنا مقبرة الديكتاتوريات!

الحقيقة الخالدة

ثورة 21 أكتوبر ليست ذكرى للبكائيات، بل هي كتالوج الثورة السودانية الخالد. تبدأ بخيانة نخب تبيع الوطن للعسكر، وتنتهي بشباب يخرجون من قاعات الدرس وشوارع الحواري ليكنسوا الطغاة بأقدامهم.

تحية لذلك الجيل الجبار، ولروح القرشي، ولقلم فضل الله محمد، ولحنجرة الموسيقار الأسطورة محمد الأمين؛ الذين أثبتوا للعالم كله أن هذا الشعب، إذا هدر كالسيل، فلن يقف في وجهه جنرال، ولا خائن، ولا مستحيل؛ لا في أكتوبر، ولا إلى يومنا هذا، ولا في أي زمان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.