هيثم الشفيع
{ما غريبٌ
وجهك المرهق يا شيخ علينا
فأنا أذكر من قبل التقينا
قبل أعوامٍ طويلة
في زمانٍ فرهدت فيه الزغاريد وزانته البطولة
غير أني لم أعد أذكر بالتحديد من أنت
فأيام اللقا كانت قليلة
بعدها جاء زمانٌ
شطب التاريخ أزرى بالحكايات النبيلة
شجر الشوق ذوى
وهوى عرش الهوى
وأغاني العشق جفت فيه
والحب به ضلَّ السبيلا}.
لعلنا يا سادتي من جيل الوسط، ذاك الذي سمع بثورة أكتوبر من السابقين، وعاصر ثورة أبريل وهو طفل لا يعي ما يحدث بالكامل. أذكر أنني كنت مستاءً جداً من الأستاذ محمود جانقي، قائد المظاهرة التي خرجت في مدينة الروصيرص عقب بيان سوار الذهب، واستغربت أن يهتف شخص مثله ضد حكم النميري.
وبالضرورة، لم نشهد حراكاً ثورياً ينتهي بتغيير النظام ونحن في كامل الوعي والإدراك إلا في ديسمبر 2018 – أبريل 2019.
المهم:
ارتبطت أكتوبر في مخيلتنا بالعظمة والمكانة العالية، بحكم أنها أولى ثورات الشعب السوداني التي انتهت بتغيير النظام، وزاد في حجم هذه العظمة ما سمعناه من قصائد وأغنيات وأناشيد تلك الفترة.
لكن قصيدة «عودة الشيخ» للشاعر الأستاذ محي الدين الفاتح أخذت عندي الحيز الأكبر، بسبب تلخيصها لحال السودان منذ أكتوبر وحتى مجيء الكيزان، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
{وجهك المرهق لا شك عرفته
غير أني الآن حتماً قد نسيته
يا ترى من أنت قل لي
قبل أن تمعن في الدهر الرحيلا
قلت ماذا؟؟؟
أنت أكتوبر!!؟!
لا… لا أصدق
أنت كم شختَ على مرِّ الزمان
شاب منك الرأس وانطفأ الجبين
شحب اللون وغارت في محاجره العيون}.
الأسلوب الدرامي الذي تناولت به القصيدة حقبة أكتوبر، والتعبيرات البلاغية الجميلة التي زينتها، حببتني فيها أكثر وأكثر، وحفظت أجزاء منها. وفوجئت بأن الأستاذ محي الدين الفاتح يقوم بتعديل بعض الكلمات، بل بعض المقاطع. فمثلاً، في المقطع أعلاه، كان أول سماع لي للقصيدة هكذا:
{أنت إبريل أو أكتوبر هو أنت
أشبه الأبناء وجهاً بأبيه}.
وبعد ذلك سمعتها منه دون أن يذكر هذا المقطع.
المهم:
يواصل الشاعر رحلته في وصف ثورة أكتوبر وما تلاها، مؤرخاً للحقبة الأهم في تاريخ البلاد السياسي، فيقول:
{قبل ما يربو على الخمسين عام
كان أن نحن التقينا ذات مرة
كان أن جئتَ فمزّقتَ الظلام
كنت في الأرض السلام وعلى الناس المسرة
من فجاج الأرض جئتَ من قرانا
من بوادينا ومن عزم المدينة
لك فينا الجند والحراس والأعوان والأشياع
والمنبر والقلعة والدار الحصينة
كنت فينا كانتفاض القطر عن ريش الحمام
كرذاذ الروح في وهج الكلام
كنت شعباً كنت ثورة
كنت فينا أغنيات طلقات الوجه حرة
كنت حسناً بعد حسرة
فرحة نابعة من كل قلب أثر فرحة
نحن أسرى لقد لقيناك وجرحى
مرحباً يا شيخنا الأخضر مرحى}.
ولكم أعجبني إقحام جزء من الأغنية المعروفة للراحل العظيم محمد وردي في النص، وبشكل سلس جداً، ثم بصورة مختصرة دون إخلال بها:
{باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني
والحقول امتلأت قمحاً ووعداً وتمني
والكنوز انفتحت من داخل الأرض تنادي
باسمك الشعب انتصر حائط السجن انكسر
والقيود انسدلت جدلة عرس في الأيادي}.
وبهذه الصور الشعرية، يستعيد محي الدين الفاتح ألق أكتوبر، ويجعل من أناشيدها وأحلامها مرآةً لمرحلة بدا فيها السودان وكأنه يفتح أبوابه لمستقبل جديد، قبل أن تتبدد الآمال وتدخل البلاد في منعطفات سياسية قاسية، يمضي الشاعر في رصدها في الجزء الثاني من هذه القراءة.

Leave a Reply