ب. أمير محمد حسين
لم يُكتب الفصل الأخير من ملحمة أكتوبر بعد. سوف نكتبه، أنت يا ابن بلادي، وأنا، وآخرون عصف بألبابهم أنين الأرض الطيبة، وارتوى أديمها بدم شهداء بذلوا أرواحهم رخيصة، لا حلماً برغيف الخبز وحده، بل بالحرية والكرامة والعتق من نير الكهنوت والطاغوت. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
سيُكتب حين يملك هذا الوطن الجريح «زمام أمره»، ويتحول «حكي السياسة الباير» إلى عمل وبناء وتعمير نلحق به ما فاتنا. يوم يصبح تنوعنا مصدر ثراء، وتصبح الدولة أماً حنوناً وبيتاً للجميع.
سيُكتب يوم نقدّم الكفاءة على القبلية والعرقية والجهوية، والإنسانية على المعتقد. يوم لا يعود مهماً إن كان ود الفضل من بابنوسة، أو الطاهر من محمد قول، أو محمد القرشي من ريرة، أو هارون من نيالا، أو منقو زمبيري من يامبيو؛ فكلنا سودان. يوم تصبح المناصب تكليفاً بالخدمة لا تشريفاً، ويتنحى أمراء الحرب وقادة الأحزاب العميلة جانباً، وتعود البنادق إلى الحدود دفاعاً عن الثغور، بدلاً من أن تُوجَّه إلى صدور شباب يحلمون بوطن حر ديمقراطي. يوم تصبح قضيتنا المفصلية هي السودان والسودانوية. يومئذ فقط نستطيع أن نقول إن الفصل الأخير من ملحمة الثورة قد اكتمل.
ضعوا البنادق الآن، يا أبناء وطني، وهيا بنا نبني مؤسسات تجعل عودة الطغيان عسيرة، ونجعل الحرية عادة يومية لا هتافاً موسمياً، ونتعلم كيف نتفق على الوطن الذي نريده، بعد أن اتفقنا طويلاً على الحاكم الذي لا نريده. إن مأساتنا تكمن في أننا أتقنا كتابة الفصول الأولى من ملحمة الثورة، ثم تركنا الفصل الأخير مفتوحاً لرياح الانقسام والطمع والعسكر والمغامرين.
إن جرثومة أكتوبر ما زالت كامنة فينا؛ خفية وعنيدة. قُمعت وطوردت وسُجنت وشُرّدت، لكنها لم تمت. ظهرت في أكتوبر 1964، وعادت في أبريل 1985، ثم انفجرت في ديسمبر 2018. تغيرت الوجوه والأجيال والشعارات، وبقي في أعماق السودانيين ذلك الرفض القديم لأن يُحكموا بالخوف إلى الأبد.
ولم تكن عظمة أكتوبر في أنها أطاحت حكماً عسكرياً فحسب، بل في أنها كشفت للسودانيين صورتهم حين يتجاوزون الخوف، وتلتقي إراداتهم في فضاء وطني واحد.
ولعل أصدق الوفاء لأكتوبر ألا نحيلها إلى أسطورة معصومة، بل نسأل بلا مواربة: كيف أسقط السودانيون الحكم العسكري في أكتوبر، وكرروا ذلك في أبريل وديسمبر، ثم عاد الاستبداد حتى انتهى الوطن إلى الحرب والتمزق؟ لعل ثوراتنا سبقت ثقافتنا السياسية؛ فلم نتعلم كيف نختلف بعد رحيل الطغاة، وظلت القبيلة والجهة والحزب والطائفة معابر إلى السلطة والثروة والفساد. وحين عجزت السياسة عن إدارة اختلافنا، احتكمنا إلى البندقية.
ولا يتحمل العسكر وحدهم وزر هذه الدائرة، وإن كانت لهم المسؤولية الأكبر عن الانقلابات والحروب والقمع. فقد أضعفت النخب المدنية تجاربنا الديمقراطية حين قدّمت صراعاتها على بناء الدولة، واتخذت الديمقراطية سلّماً إلى الحكم لا نهجاً للتعايش وتداول السلطة. وأسهمنا جميعاً حين غفرنا تعصب جماعتنا، وانتظرنا الزعيم المنقذ بدلاً من بناء المؤسسات، وانشغلنا بصخب السياسة بينما ذبل التعليم والإنتاج والإدارة أمام أعيننا.
ثم جاءت الحرب، فمزقت ستار الشعارات وكشفت هشاشة الدولة وعمق شروخ المجتمع. تهدمت البيوت والمستشفيات والجامعات والمصانع، وتشرد الملايين، لكن أفدح الخراب أصاب الثقة التي كانت تربط السوداني بأخيه السوداني. وأخشى أن نرفع ما هدمته الحرب، ثم نكتشف أننا رممنا المسرح وأبقينا المأساة كما هي، تنتظر ممثلين جدداً يؤدون الأدوار القديمة.
ولن يسطر الفصل الأخير من ملحمة أكتوبر إلا ثورة ثقافية وتنموية وأخوية وتعميرية؛ ثورة لا تنتظر بياناً من الإذاعة ولا موكباً يبلغ القصر. تبدأ من الطريقة التي يرى بها السوداني أخاه السوداني، ومن معنى السلطة في أذهاننا، ومن احترام العمل والوقت والمال العام، ومن قدرتنا على قبول نتيجة لا توافق أهواءنا، والعيش مع شخص لا يشبهنا. ثورة نعيد بها النظر في معنى البطولة؛ فقد طال احتفاؤنا بالخطيب المفوه، والزعيم الملهم، وصاحب البندقية الذي يعدنا بالخلاص. أما أبطال السودان القادم فأراهم في المعلم الذي يصون مدرسته، والطبيب الذي يداوي مرضاه، والمزارع الذي ينجح موسمه، والموظف الذي يرفض الرشوة، والقاضي الذي لا يخشى صاحب نفوذ. وأراهم كذلك فيمن يبني مؤسسة تبقى بعد رحيله، فلا ينهار كل شيء إذا غاب الرجل الذي أقامها.
لن يخرج السودان من الحرب بتوقيع ومصافحة؛ فجراحه أعمق من أن تداويها الأوراق. نحتاج إلى عدالة تحاسب الجناة، ومصالحة تصون ذاكرة الضحايا وتمنع تكرار مأساتهم، وإلى وطن يسمع فيه بعضنا بعضاً كشركاء متساوين، لا كوافدين يطلبون نصيباً من وطن يملكه سواهم.
ولا تستقيم ديمقراطية في قرية بلا ماء، ولا تكتمل حرية لا تفتح مدرسة أو مستشفى، ولا تشق طريقاً أو تزرع حقلاً. كما أن التنمية المحرومة من الحرية والعدالة ليست سوى غنائم توزعها السلطة. لذلك يجب أن نبني الديمقراطية والاقتصاد معاً، وأن نقيس الإعمار بطفل عاد إلى مدرسته، ومريض استعاد كرامته، وأرض بور دبت فيها الحياة، لا بأبراج العاصمة وحدها.
وهذا الفصل لا يملكه حزب، ولا تحتكره نخبة، ولا يكتبه جنرال؛ يكتبه السودانيون في القرى والمدن والمنافي، نساءً ورجالاً، شباباً وشيباً. ولا يلزمهم أن يتفقوا في كل شيء، بل أن يتعاهدوا على قواعد اختلافهم: لا انقلاب، لا حرب، لا إقصاء، لا امتياز فوق المواطنة، ولا سلطة تعلو على القانون. ثم يختلفون ما شاءوا، ويحتكمون إلى الشعب، من غير أن تصبح خسارة الحكم خسارة للوطن.
لقد بدأ القرشي ومن ساروا معه ملحمة الثورة، وكتب شهداء أبريل وديسمبر فصولاً أخرى بدمائهم وأحلامهم. أما الفصل الأخير فلن يكتبه شهيد واحد ولا جيل واحد. سنكتبه نحن، وأبناؤنا، وأبناء الوطن الجديد، حين نحول الثورة من لحظة تضحية إلى أسلوب حياة، وحين نصون الحرية بمؤسسات تحميها، وحين نتعلم أن نختلف دون أن نتحارب، وأن نتنافس في البناء بدلاً من التنافس على امتلاك الوطن.
جرثومة أكتوبر ما زالت فينا. فلنكتب هذه المرة فصلها الأخير: فصل نهضة السودان الذي يستحقه أبناؤه، السودان الذي لا يحتاجون بعده إلى ثورة جديدة.
إهداء: إلى أرواح العمالقة هاشم صديق، ومحمد الأمين، وموسى محمد إبراهيم، وبهاء الدين عبد الرحمن أبو شلة، وخليل إسماعيل، وعثمان مصطفى؛ وإلى الأستاذة أم بلينة السنوسي، وإلى كل من رحلوا قبل أن يُكتب الفصل الأخير من ملحمة الثورة.

Leave a Reply