ماجد الغوث
أكتوبر 64 ما كانت مظاهرة وانفضت، ولا انقلاب عساكر، دي أول مرة في أفريقيا والعالم العربي شعب أعزل يطلع الشارع بصدوره العارية ويسقط دبابة، ويرجع الديمقراطية بلا سلاح.
الدنيا وقتها كيف كانت؟ العالم العربي مقسوم بالنص، ناس مع عبد الناصر بعد ما أمّم قناة السويس وكسر شِلّة الإنجليز والفرنسيين، وناس مع السعودية والمحافظين. مصر جرّبت الوحدة مع سوريا وفشلت في 61، واليمن مولعة حرب بين جمهوريين بتدعمهم مصر وملكيين بتدعمهم السعودية، والجزائر يادوب استقلت في 62 وبقت قبلة أي زول داير يتحرر. في الجو ده، السودان كانوا شايفنو حلبة صراع، والإنجليز لما طلعوا خلو لينا دولة عرجاء، جيش عقيدتو إنجليزية، وخدمة مدنية بتخدم الخواجة، واقتصاد مربوط بحبل واحد هو القطن.
وفي أفريقيا نفس الحكاية، من 60 لي 64 أكتر من تلاتين دولة استقلت، ومنظمة الوحدة الأفريقية يادوب اتولدت في أديس في 63، وشعارها الاستعمار لازم ينتهي، لكن استقلالهم كان تسليم مفتاح من الخواجة لزول موالي ليهو، إلا السودان، أكتوبر قالت لا، الاستقلال الحقيقي ما خروج العلم البريطاني بس، الاستقلال الحقيقي تسقط الدكتاتور الجواك البنى المستعمر.
طيب، من 56 لي 64 الحصل شنو في بنية المجتمع؟ تمانية سنة بس كفاية خربت أي شي. اقتصادياً، مسكنا في القطن، مشروع الجزيرة كان هو بنك السودان ذاتو، نبيع قطن خام ونجي نستورد أي شي حتى الإبرة، ما في مصنع ولا تنويع، ظهرت طبقة جديدة تجار وسماسرة ومقاولين أكلوا قروش الدولة في زمن عبود. اجتماعياً، الناس هجت من الريف، الزرع بار والخدمات مافي، كلهم جو الخرطوم وأم درمان ومدني، عملوا حزام فقر حوالين المدن، والريف خلوه للعمد والمشايخ. أما التعليم، فده كان الثورة الجد، جامعة الخرطوم بقت مصنع رجال، المعلمين والمحامين والقضاة والصحفيين بقوا طبقة مثقفة تقود الشارع، لكن المدرسة في دارفور بلا كتاب، والمستشفى في الشرق بلا دواء.
عشان كدا الناس بتسأل: هل أكتوبر ثورة مدن بس؟ أيوة، ودي الحقيقة المرة. الشرارة طلعت من جامعة الخرطوم لما قتلوا الطالب أحمد القرشي الطيب يوم 21 أكتوبر، فقام اتحاد الطلاب، ونقابة المعلمين، ونقابة المحامين، وعمال السكة حديد في عطبرة قلب الحركة العمالية، وعمال الميناء في بورتسودان قفلوا الميناء. الريف سمع بالراديو وفرح لكن ما نظم، لأنه كان تحت الإدارة الأهلية حلفاء عبود، شعارات المدينة كانت حرية تعبير واستقلال جامعة، وشعارات الريف كانت موية وأرض ومدرسة، عشان كدا الفجوة بدت من هناك.
والقادوا الثورة منو؟ نفس ناس الاستقلال، دكاترة ومهندسين ومحامين قرأوا في الأربعينات والخمسينات وعملوا مؤتمر الخريجين، ناس سر الختم الخليفة وأبوعيسى والدكتور زين العابدين، تكنقراط نضاف وقلبهم على البلد لكن ما سياسيين محترفين، لما استلموا ما عرفوا يديروا صراع الأحزاب.
وهنا جات المصيبة الكبيرة، جبهة الهيئات. المفروض بعد ما سقط عبود الجبهة تحل روحها وتخلي حكومة انتقالية تعمل انتخابات، لكن طمعوا، قعدوا يحكموا كأنهم برلمان، دخل فيهم الشيوعي والإخوان المسلمين والأمة والاتحادي، أي زول داير يشيل الثورة لي جيبو. بدل ما يختوا دستور دائم وقواعد دولة مدنية، بقوا يشاكلوا، لحدي ما طردوا نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في 65، ودي كانت أول سكين غزوها في ظهر الديمقراطية، ومنها العساكر عرفوا الطريق راجع.
لكن أكتوبر ما ماتت، أكتوبر وثقت فينا حاجة مهمة خلاص، إنو السوداني ده جواه نزوع حر، داير حرية، بيعرف يعمل نقابة، بيعرف يعمل إضراب، بيعرف يكتب صحيفة، بيعرف يهتف سلمية، وده تاريخ ما ساهل. شواهدها كتيرة، أبواتنا بحكوا لما أضرب القضاة في 64 كل المحاكم قفلت، ولما أضرب أساتذة الجامعة الطلبة ناموا في الميادين، وحتى ستات البيوت طلعوا بالزغاريد، دي ما كانت ثورة نخب، دي كانت ثورة شعب كامل في الخرطوم ومدني وعطبرة.
وتأثيرها برا كان كبير، طلاب القاهرة في 68 كانوا شايلين صور أكتوبر، ونقابات عمال غانا ودار السلام في تنزانيا كانت بتدرس تجربة الإضراب السياسي العام بتاع عطبرة كنموذج، وحتى القذافي ونميري لما جو بانقلاباتهم كانوا بيحلفوا باسم أكتوبر عشان يكسبوا شرعية.
في النهاية، أكتوبر فشلت تأسس دولة مدنية لأننا ما التزمنا أخلاقياً بقواعد اللعبة الديمقراطية. حولنا الحرية لانتقام، بدل ما نقعد ونتفق على حكم متفق عليه بيناتنا، بقينا نقصي بعض، الشيوعي يقصي الإسلامي والإسلامي يقصي الشيوعي، والطائفية تقصي المثقف، ففتحنا الباب للعسكر يجوا راجعين. ومن ساعتها ونحن بنلف في نفس الدائرة، أكتوبر 64 وأبريل 85 وديسمبر 18 كلها بتحلم بنفس الحلم، دولة مدنية ديمقراطية تحفظ وحدة البلد وتوزع الثروة بالعدل، حلم لسه حي وما مات، وبس يجي الحكم المتفق عليه من تحت، من لجان الحي والمزرعة والمصنع، ساعتها بنقول أكتوبر حققت غايتها.

Leave a Reply