أكتوبر – أوبرا شعبية في فصل واحد

صحيفة الهدف

د. أشرف مبارك

(المشهد الأول: مونولوج الشهيد)

(خشبة مظلمة. ضوء خافت على كرسي قديم. يدخل الشهيد بملابس بسيطة، يحمل ورقة. يجلس، وينظر إلى الجمهور طويلًا قبل أن يبدأ.)

الشهيد: لم أمت في ذلك اليوم، بل صرتُ صوتًا يمشي على أرجل من بقي.

أتذكر ذلك الصباح. الفجر لم يكن نورًا فحسب، كان جناحين يرفان على أسوار السجن. سمعتُ هاشم صديق يردد الملحمة؛ لم يكن يؤرخ، كان يصنع رمزًا. ترتفع أيدينا فارغةً، فتمتلئ بالكلمة.

داخل الزنزانة، كان فضل الله محمد يتأمل طريقه إلى ود مدني المحنة يوم التنحي، أكتوبر واحد وعشرين. قلتُ: إذا متُّ، غنوا عني حتى أسمع.

محمد الأمين، حين غنى «مساجينك»، لم يكن يؤدي لحنًا، كان يفتح نافذة في صدري وأنا أسمع. تلك كانت ثورة أخرى أو ميعاد آخر.

أتذكر وجوه الناس في ساحة القصر، وأمام القيادة. طلاب، عمال، أمهات، شباب، عجائز، 30 أكتوبر 64 أو 3 يونيو 19. لم تكن لديهم بنادق. كان لديهم هتاف أثقل من المدافع.

كان إبراهيم الصلحي يذيب الحرف العربي في ألوان النوبة. أظنه قال لي: هويتنا ليست متحفًا، بل نهرًا. الجدران تتكلم؛ لنصعد هنا جدارية، فكل خط هتاف، وكل لون راية.

تسقط بس. ودويُّ صوت رصاصة انطلقت. والثورة انطلقت. وبينما كنت أسقط، رأيت البطل في القصص يتغير؛ لم يعد ذلك الرجل الذي ينتظر القدر، والطيب صالح لم يكتب عن ثورة، بل كتب عن تمرد وعصيان، عن سهم يخترق الظلام.

واليوم يهتف شباب ديسمبر بأكتوبر الأخضر وأشعار محجوب شريف. اسمي محفور في الشوك وفي صخر الطريق.

(ينطفئ الضوء ببطء. يبدأ صوت هتاف خافت من الخلفية.)

(تتحول الإضاءة إلى مشهد الشارع.)

(المشهد الثاني: الشارع)

(ميدان عام في الخرطوم – ساحة القصر أو ساحة الشهداء – 1964. شمس ساطعة. ظلال قصيرة. يدخل جمع من جهات مختلفة، يحملون شعارات: «إلى القصر حتى النصر»، «لا زعامة للقدامى»، «……… مطلب شعبي.. لن يحكمنا الأمن القومي»، «تسقط بس».)

(تبدأ موسيقى خفيفة، مع دقات الطبول.)

الكورال يغني:

«وفي ليلة وكنا حشود بتصارع عهد الظلم……»

الجمهور يردد.

(تتغير الإضاءة فجأة إلى زنزانة مظلمة.)

(المشهد الثالث: الزنزانة)

(زنزانة صغيرة. صوت خافت من شباك صغير. طالب جالس على الأرض، يكتب على ورقة ممزقة بقلم صغير قصير.)

السجان: اكتب ما شئت. لن يسمعك أحد.

الطالب: كتبتها، وسمعني العالم. وأنا في الطريق إلى ود مدني، غنى العالم: أكتوبر واحد وعشرين.

صوت محمد الأمين: أكتوبر واحد وعشرين، يا صحو الشعب الجبار (في الخلفية، صوت وردي: «أصبح الصبح، ولا السجن ولا السجان باقٍ»).

إذا متُّ، غنوا عني حتى أسمع.

هويتنا ليست متحفًا، بل نهرًا.

(المشهد الرابع: جداريات ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة، بجانبها مكان ما في المعهد الفني في الستينيات)

شباب يرسمون ومعهم الصلحي وشبرين.

طالب: ليس كافيًا أن نرسم الحرية. يجب أن نصوغ هويتها.

طالب آخر: هنا في هذا الخط نضع الرفض.

(المشهد الخامس)

(ميدان 2019 – أضواء الهواتف المحمولة.)

مغنية شابة تغني للعطبراوي ومحي الدين فارس:

وهناك أسراب الضحايا النازحون

ملؤوا الطريق،

وعيونهم مجروحة الأغوار، ذابلة البريق، يتهامسون…

وسياط سفاح تسوق خطاهم، ويغمغمون… 3 يونيو.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.