بقلم: م. عادل أحمد محمد
السد هو من أعقد المنشآت الهندسية لأنه يجمع بين ميكانيكا الصخور والتربة والهيدرولوجيا والجيولوجيا. خطورته تزيد كلما زاد حجمه. وسد النهضة مقام على النيل الأزرق في إثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية، سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، وهو أحد أكبر مشاريع توليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا. أهميته للسودان ليست فقط في توليد الكهرباء بل في تأثيره المباشر على سلامة المنشآت السودانية في حالات الفيضانات القصوى أو الفشل الإنشائي.
الدراسة تقول: لا يكفي تقييم السد من ناحية الربح الاقتصادي فقط، بل يجب تقييم سلامة منظومته الإنشائية، وكفاءة تأسيسه، وقدرته على تصريف المياه، وتأثير الرسوبيات، وانعكاس أي حادث على السودان.
أولاً: المنظومة الهيكلية للسد ليس سد واحد بل منظومة:
1. السد الخرساني الرئيسي RCC:
مصنوع من الخرسانة المدكوكة بالحدل ارتفاعه نحو 175 متراً. اتزانه يعتمد على الوزن الذاتي ومقاومة الانزلاق على قاعدة السد وعلى أسطح الضعف داخل الصخور ومقاومة الإجهادات والتحكم في ضغط الرفع أسفل المنشأ عبر منظومة المعالجة والصرف وسلامة الفواصل.
الفواصل الأفقية هي نقطة ضعف لأنها تشكل عند حدود طبقات الصب، وتفاوت خصائصها حسب طريقة التنفيذ والمعالجة.
2. السد الجانبي الركامي ذو الوجه الخرساني CFRD:
سد جانبي من الركام طوله عدة كيلومترات وارتفاعه 50 متر، وظيفته إغلاق أحد جوانب الحوض. أخطر فشل له هو الـ Overtopping – تجاوز المياه لقمته لأن جريان المياه فوق جسمه يؤدي لانهيار سريع.
ثانياً: الأساسات الصخرية والبيئة الجيولوجية والزلازل:
سلامة السد تعتمد على الصخور التي يرتكز عليها. المنطقة بها تكوينات جيولوجية بركانية وتصدعات واختلافات في طبيعة التكتونيات. معالجة التأسيس تتم عبر الحقن الأسمنتي وستار الحقن لتقليل نفاذية الأساس وتخفيض ضغط المياه أسفل السد.
تخزين 74 مليار متر مكعب قد يغير الإجهادات في القشرة الأرضية ويغير ضغوط المياه المسامية في الصخور، مما قد ينشط زلازل مستحثة.
ثالثاً: الديناميكا الهيدرولوجية ومعضلة الإطماء:
الحوض يتميز بأمطار موسمية غزيرة وانحدارات طوبوغرافية، وكمية طمي كبيرة تنتقل مع الفيضان وتترسب في الخزانات. تراكم الرواسب يقلل السعة الفعلية للخزان مع الزمن. الجسيمات الصلبة تسبب تآكل وخصوصاً عند ارتفاع تركيزها وتسبب انسداد جزئي للجريان. الرواسب المتراكمة تشكل أحمال جانبية إضافية على المنشآت المائية.
رابعاً: هيدروليكا التصريف والفيضانات القصوى:
سلامة السد تعتمد على قدرته على تمرير التصريفات الواردة خلال الفيضانات والحفاظ على مناسيب الخزان ضمن الحدود الآمنة. المعيار العالمي هو PMF – الفيضان الأقصى المحتمل. يجب التأكد أن المفيضات قادرة على تمرير المياه حتى لو تعطلت بعض البوابات.
خامساً: سيناريوهات انهيار سد النهضة ومخاطرها على السودان:
انهيار السد الكبير يعني إطلاق كميات ضخمة من المياه خلال فترة وجيزة وتكون موجات فيضانية تنتقل للمناطق الواقعة في اتجاه المصب.
سد الروصيرص السوداني أهم المنشآت المائية في السودان وينظم مياه النيل الأزرق. إذا تجاوزت الموجة قدرته التصميمية قد تنشأ مخاطر بارتفاع المناسيب وغمر المناطق المحيطة. تحليل المخاطر يمتد لسد سنار والمناطق الزراعية والسكنية على النيل الأزرق والنيل الرئيسي.
متطلبات الاستعداد السوداني:
– إعداد وتحديث نماذج هيدروليكية لسيناريوهات الفشل
– إنشاء منظومة فعالة لتبادل بيانات المناسيب والتصريفات والأمطار والتشغيل بين إثيوبيا والسودان
– إعداد خرائط تفصيلية للمناطق المعرضة للغمر
– مراجعة خطط الطوارئ والتشغيل في الروصيرص وسنار
– تطوير أنظمة الإنذار المبكر
سادساً: نحو منظومة متكاملة لسلامة السد:
سلامة المنشآت الكبرى لا تعتمد على التصميم الأولي وحده بل على منظومة متكاملة تبدأ بالتحقيقات الجيولوجية وتمتد إلى جودة التنفيذ والمراقبة المستمرة والصيانة وإدارة الخزان.
الدراسة تقترح: الشفافية الفنية وتبادل البيانات، المراقبة الجيوتقنية والإنشائية، التقييم الزلزالي، الإدارة الرسوبية، سلامة المنشآت السودانية، التعاون الفني العابر للحدود.
*الخاتمة:
سد النهضة منشأ مائي عملاق تتجاوز أهميته حدود الدولة التي أقامته. طبيعة هذا المشروع تفرض ضرورة التعامل معه بمنهج علمي يجمع بين الهندسة الإنشائية والجيوتقنية والهيدرولوجيا وإدارة المخاطر. بالنسبة إلى السودان فإن المسألة لا تقتصر على الخلاف بشأن حجم التخزين أو طريقة تشغيل الخزان بل تشمل ضرورة ضمان سلامة المنشآت المائية وحماية السكان.

Leave a Reply