بقلم د. منال مختار.
قبس من التاريخ ربما ينير جزء من العتمة.
الشرق الأوسط… والشرق الأقصى..والشرق الأدنى هو تقسيم أوربي أطلقه الإنجليز بعد الح.رب العالمية على الدول الممتدة من ليبيا غربًا إلى إيران شرقًا، ومن اليونان شمالًا إلى إثيوبيا جنوبًا.
ولهذه المنطقة خصائص تميزها مثل الموقع الجغرافي حيث إنها تمثل ملتقى لقارات إفريقيا وآسيا وأوروبا، كما أنها تشرف وتحتوى على مجموعة مائية واسعة ومتنوعة مثل البحر المتوسط، والبحر الأحمر ، والبحر الأسود، وبحر قزوين، وبحر العرب، والمحيط الهندي، والخليج العربي ، كذلك تضم المنطقة مجموعة من الأنهار والمجاري المائية مثل نهر النيل ونهر دجلة والفرات، وعدد من المضايق مثل مضيق باب المندب ومضيق البسفور والدردنيل وقناة السويس إضافة إلى الممرات المائية ذات البعد الاستراتيجي والامني .
كذلك من الخصائص التي تتمتع بها هذه المنطقة اتساع الرقعة الزراعية وتنوع المناخات والتضاريس، وتنوع الإنتاج الزراعي والثروات المعدنية ووفرة الثروات الحيوانية والقوى البشرية. وعلى رأس هذا التنوع يكون البترول من حيث الإنتاج والتصدير والاحتياطي، وفوق كل هذا تعتبر المنطقة مركزًا للأسواق الاستهلاكية نظرًا للكثافة السكانية… وأكثر ما يميز هذه المنطقة أنها مهبط للأديان السماوية الثلاث ( اليهودية والمسيحية والإسلام).
وقد جعلت هذه الخصائص من هذه المنطقة موضع للاهتمام والتسابق الدولي وتعدد الرؤى التي تهدف في مجملها إلى الاحتواء ووضع اليد، بجانب العديد من المشروعات التظيمية التي تهدف إلى التبعية والسيطرة مثل مشروع النظام (الشرق أوسطي) لتحقيق أهداف الحركة الصه.يونية وفرض الانتماء وتذويب الهوية العربية، واقتسام موارد
المنطقة بين أوربا وأمريكا.
وقد استند هذا المشروع على مرتكزات سياسية واقتصادية وأمنية، ومن أهم مرتكزاته السياسية هي فرض شرعية وجود الدولة الص.هيونية، وإفشال المشروع العربي الوحدوي، وإعادة صياغة الموروث الحضاري والثقافي لطمس الهوية العربية…… ومن أهم المرتكزات الاقتصادية التي ارتبطت به زيادة الأحكام والسيطرة على الموارد والثروات خاصة النفط، وإخضاع المنطقة لسياسة (اقتصاد السوق ) لخدمة المصالح الأمريكية، واعتبار إس.رائيل مركز ثقل لهذه الأنشطة الاقتصادية في المنطقة، فضلًا عن جعل المنطقة تحت قبضة احتكار الأسلحة الأمريكية الص.هيونية …. أما المرتكزات الأمنية فقد كانت تهدف بأن تكون الهيمنة الأمنية تحت قبضة الكيان الص.هيوني، وتعطيل فاعلية النظام الأمني العربي، وتم عقد أكثر من اتفاقية أمنية لخدمة هذه الهيمنة مثل اتفاقية كامب ديفيد، واتفاقية وادي عربه …الخ.
وما يحدث الآن من صراع ونزاعات في هذه المنطقة ليس وليد لظرف أو مجرد حدث، بل هو إدارة تنفيذية لرؤى متعددة تهدف في مجملها إلى احتواء المنطقة العربية في المقام الأول، ومنطقة الشرق الأوسط والأقصى والأدنى كامتداد لهذا الاحتواء. حيث كانت البداية لهذا المشروع هو اعتماد الرئيس ( هنري ترومان) في 30/سبتمبر 1945 لأسس نظرية الاحتواء التي كانت تتفق مع رؤية ( هرتزل) مؤسس الحركة الص.هيونية، التي انبثقت منها مشروعات التغلغل الص.هيوني في منطقة الشرق الأوسط، مثل مشروع جون فوستر دلاس عام 1953… ومشروع حلف بغداد… ومشروع ملء الفراغ…ومشروع كل من كيندي ونيكسون وكارتر وريغان وجورج بوش وجورج الابن أثناء الح.رب الباردة، وكذلك مقترح بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي…وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر الذي ربط أمن الشرق الأوسط بعدم الاستبعاد الإقليمي لإس.رائيل… وأيضاً مشروع كلينتون عام 1993 الذي يعرف بمثلث الإزدهار، الذي يضم كل من إس.رائيل وفلسطين والأردن… ومشروع الشرق الاوسط الأكبر الذي أطلقه بوش الابن عام 2004، الذي يضم أكثر من 30 دولة وفقاً للمفهوم الأمريكي الأمني . وغيرها من الرؤى والمشروعات التي تتمحور حول سياسة الاحتواء.
وهذه السياسة ليست وليدة اللحظة بل هي مخطط تم الاتفاق عليه منذ اتفاق ( سايكس/ بيكو) ، والمؤسف أن من الأدوات التي تم استخدامها لتنفيذ هذا المخطط هو حكام المنطقة نفسها منذ تاريخ ذلك الاتفاق وإلى هذه اللحظة، فما يحدث الآن هو الجزء الأخير من مخطط الاحتواء الذي سيحكم به القبضة على هذه المنطقة.
الذي يقرأ التسلسل التاريخي لهذه الرؤى والمشروعات يستطيع قراءة الحاضر والمستقبل بعين فاحصة وعقل متدبر…ولكن ربما قد فات الأوان لمقاومة الاحتواء والدفاع عن المكتسبات. إن لم يتم العمل النضالي بذات مستوى العقل التخطيطي… واستعداد التضحية المنطلق من الإيمان بالفكر والأرض والتاريخ وتطلع الإنسان فيها.
# ودمتم سالمين.

Leave a Reply