نادي الجزيرة بود مدني.. من الليالي الثقافية إلى صيحات البيع المخفّض!

صحيفة الهدف

هدى العليش

ليس غريبًا أن تمرّ بجانب نادي الجزيرة اليوم، فتجد المبنى هو المبنى، والسور هو السور، واللافتة القديمة لا تزال تتدلّى بعناد وتحدٍّ؛ ولكن الغريب ألّا تجد الملامح التي تعرفها، ولا الجزيرة التي ألفتها.

كان النادي ذات يوم أكثر من مجرد مبنى؛ كان دوحة غنّاء وواجهة للرفاهية الهادئة. كانت ليالي نادي الجزيرة إعلانًا عن الفرح والتلاقي، حين كانت الرفاهية تعني كرسيًّا وذكريات لمن جاء وجلس به، وكوب شاي في المغرب، وصحيفة تتنقّل بين الأيدي، كأنها شيء يحمل البركة، وضحكة عالية لا تحتاج إلى مكبّر صوت.

كانت لياليه عامرة بالمنتديات الفكرية، والأمسيات الشعرية، والنقاشات الرياضية الحامية التي تنتهي بالتصافح. كان ملتقى للمعلمين والموظفين والطلاب والوجهاء؛ يجتمعون لا لأنهم أعضاء فحسب، بل لأنهم متوحّدون وجدانيًّا.

كان النادي يؤدي مهمته الحقيقية: يرفّه عن الناس، ويثقّفهم، ويحفظ لهم مساحة للتواصل تتجاوز المسافات، وتدخل البيوت، وتُبقي الأثر الطيب، وتصون الصلات الجميلة.

واليوم، تبقى الملامح وتتغيّر المهام!

الجدران نفسها التي كانت تحتضن الندوات، تتكدّس فوقها اليوم البضائع في ظل منافسة تجارية محتدمة. والصالة نفسها التي شهدت تكريم أديب، أو وداع أستاذ، أو تدشين ديوان شعر كُتب بحب، وصدحت فيها الأصوات وهي تعبّر عن وجدان المدينة، أصبحت تحكي بلسان حال بلد يحاول الإفلات من أزماته، وكأنها تردّد المثل الشعبي: «الغرقان بتعلّق بالقشّة».

«تعال: البيع المخفّض»؛ لافتات إعلانية تفرض حضورها بجرأة، وتتصدّر المشهد. فكيف نلومها، ونحن نعرف أن لكلٍّ منها غايته؟

إن تحويل نادي الجزيرة إلى سوق ليس مجرد تغيير في النشاط التجاري، بل هو إعلان صامت عن تبدّل الأولويات: من الرفاه إلى الحاجة، ومن الثقافة إلى السلعة، ومن المنتدى إلى الدكّان. المبنى صامد، لكن الرسالة تغيّرت.

يقف نادي الجزيرة شاهدًا على مدينة كاملة؛ ملامحها باقية، ولكن مهامها تبدّلت. كنّا نذهب إلى النادي لنلتقي، ونشاهد، ونجدد العهد بالأمسيات الغنائية، واليوم نذهب لنشتري. كنّا نخرج منه بفكرة، واليوم نخرج محمّلين بكيس!

لا نعترض على البيع المخفّض؛ فالحاجة أمّ الاختراع، والناس في حاجة، والظروف قاسية، والحرب قضت على أشياء كثيرة وغيّرت ملامح الحياة. ولكن يبقى السؤال: لماذا ندفع بمثل هذا المكان، الذي كنّا نقصده طلبًا للمرح والفرح، إلى هذا المصير؟ ولماذا تصبح الأندية الثقافية والاجتماعية هي الثمن الذي ندفعه كلما ضاقت بنا الحياة؟ ولماذا يكون أول ما نضحّي به هو المكان الذي احتضن أفراحنا وثقافتنا وذكرياتنا؟

فهل يعود نادي الجزيرة ناديًا كما كان؟ أم أننا تعوّدنا أن نرى الملامح الباقية ونتعايش مع المهام المتغيّرة، حتى ننسى أن هذا المكان كان يومًا ناديًا؟

على أمل أن يعود نادي الجزيرة إلى مهامه الأولى؛ متكأً وملتقى للأحبّة، ومكانًا للتفاكر الذي يوحّد الوجدان، في أمسيات عاشها إنسان المدينة وعاشته، تحت سماء ود مدني الصافية ليلًا، وهي تحكي عن روعة إنسانها.

غدًا يعود… نادي الجزيرة… حتمًا يعود إلى ما كان عليه.

ود مدني – أكتوبر 2026

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.