درية يوسف
يمثّل غناء القونات ظاهرة غنائية وموسيقية معاصرة انتشرت في الساحة الفنية والاجتماعية بالسودان، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بموسيقى الزنق الحماسية والسريعة. ويُطلق مصطلح «قونة» على المغنيات اللواتي يقدّمن هذا اللون من الأغاني الشعبية الحديثة في حفلات الأعراس والحناء وتخريج الجامعات.
وتثير الظاهرة جدلًا واسعًا بين الرفض المجتمعي والقبول المتزايد، خاصةً وسط الشباب. وتعتمد هذه الأغاني على اللغة الدارجة البسيطة، والتكرار السريع، والإيقاعات الصاخبة، والتفاعل المباشر مع الجمهور. وبينما يرى نقاد وفنانون أنها تفتقر إلى العمق الفني مقارنةً بأغاني الحقيبة والتراث السوداني، يعتبرها مؤيدوها تعبيرًا عن تمرد جيل جديد على القيود الفنية التقليدية، وتجسيدًا لواقعه وتطلعاته.
وأدى الانتشار الرقمي دورًا محوريًا في توسيع جمهور هذا اللون الغنائي؛ إذ انتقل من حفلات الأحياء والسرادقات إلى المنصات الإلكترونية، متجاوزًا الحدود الجغرافية والاجتماعية. وأصبحت مقاطع «تيك توك» القصيرة، التي تبرز الإيقاعات والعبارات الحماسية والرقصات، وسيلةً سريعة الانتشار، فيما تتيح قنوات «يوتيوب» بث الحفلات وتوثيقها وجذب ملايين المشاهدات.
كما أتاح الفضاء الرقمي للمغنيات والعازفين فرصًا مستقلة للإنتاج والترويج بعيدًا عن شركات الإنتاج التقليدية. ورغم الإجراءات التي أعلنها اتحاد المهن الموسيقية السوداني لمواجهة ما يصفه بـ«الغناء الهابط»، تجعل الطبيعة اللامركزية للمنصات الرقمية الحد من انتشاره أمرًا بالغ الصعوبة.
وهكذا تحوّل غناء القونات والزنق من ظاهرة محلية إلى صناعة ترفيهية رقمية تستقطب جمهورًا واسعًا، وتفتح نقاشًا حول الذوق العام، والحرية الفنية، وحدود الحفاظ على التراث في مواجهة التحولات الثقافية والاجتماعية.

Leave a Reply