أورويل لم يتنبأ بالمستقبل… بل وصفه

صحيفة الهدف

زكريا نمر

ربما أخطأنا في قراءة «مزرعة الحيوانات». ظننا أن جورج أورويل كان يكتب عن الخنازير والكلاب والخيول، بينما كان يكتب، في العمق، عن الإنسان حين تدخل السلطة إلى رأسه، ثم تقنعه بأن ما يراه في داخله ليس خوفًا، وإنما قناعة.

المزرعة ليست بعيدة. المشكلة في الاستبداد ليست أنه يغلق الأبواب، بل أنه يقنعك بأنك لا تحتاج إلى الخروج منها. ولهذا تبدو المزرعة الحديثة أكثر تطورًا من مزرعة أورويل. لم تعد تحتاج إلى جدار مرتفع، ولا إلى شرطي يقف خلف كل مواطن. يكفي أن يعرف المواطن أن هناك من يراقبه، حتى يبدأ هو بمراقبة نفسه. وبعد فترة، يصبح الحارس الحقيقي ليس الذي يقف أمام الباب، بل ذلك الصوت الصغير داخل الرأس، الذي يسأل قبل كل كلمة: هل يجوز أن أقول هذا؟

وهنا تتحول السياسة من إدارة الدولة إلى إدارة العقول. فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى السوط. والسلطة الأكثر ذكاءً ليست التي تقول لك: «اصمت»، بل التي تجعلك تعتقد أن الصمت اختيار شخصي. عندها يصبح القفص غير مرئي؛ فالخوف، حين يستقر في الداخل، لا يحتاج إلى شرطي في الخارج. يبدأ الإنسان في حذف كلماته قبل أن ينطق بها، ومراجعة أفكاره قبل أن يكتبها، ومراقبة نفسه نيابة عن السلطة.

وهذه ربما إحدى أكثر صور السلطة قسوة: أن تتحول الرقابة من وظيفة تمارسها الدولة إلى عادة يمارسها المواطن على نفسه.

حين تصبح الحقيقة مسألة صياغة

في مزرعة أورويل، كانت الخنازير تعيد كتابة القوانين كلما احتاجت إلى ذلك. أما في المزارع السياسية الحديثة، فقد لا تحتاج القوانين إلى أن تتغير كثيرًا؛ يكفي أن يتغير تفسيرها. فالقاعدة التي تحمي المواطن اليوم قد تصبح غدًا استثناءً، والاستثناء الذي صنعته السلطة في لحظة أزمة قد يتحول، بعد سنوات، إلى طريقة دائمة للحكم.

وهكذا لا تختفي الحرية دفعة واحدة؛ إنها تتآكل بالتقسيط، مثل جدار يأكله الملح دون أن يسمع أحد صوت سقوطه.

الإعلام وصناعة الذاكرة

الحقيقة ليست دائمًا ما حدث، بل ما يستطيع الناس الاحتفاظ به مما حدث. وهنا يصبح الإعلام أكثر من وسيلة لنقل الأخبار؛ إنه يصبح جزءًا من صناعة الذاكرة. فمن يملك القدرة على تحديد ما يظهر، وما يختفي، وما يتكرر، وما ينساه الناس، يملك جزءًا من السلطة على الواقع نفسه.

لا تحتاج إلى اختراع كذبة كاملة. يكفي أن تقدم نصف الحقيقة بالجرعة المناسبة، ثم تترك الزمن يقوم بالباقي.

المثقف حين يقترب كثيرًا من السلطة

من أكثر المفارقات إثارة للسخرية أن بعض المثقفين لا يحتاجون إلى أن تطلب منهم السلطة الصمت. يكفي أن تمنحهم مقعدًا قريبًا منها، فيكتشفون وحدهم أن الحقيقة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن المبادئ تحتاج إلى «ظروف»، وأن الحرية يجب أن تكون «مسؤولة»، وأن النقد في هذا التوقيت غير مناسب.

وهكذا يتعلم المثقف فن المشي حول الحقيقة دون أن يلمسها، ثم يكتب مقالًا طويلًا عن أهمية الشجاعة.

الوطن حين يتحول إلى شعار

تستطيع السلطة أن تجعل الكلمات الكبيرة تقوم بالعمل الذي كان يؤديه السوط قديمًا. يكفي أن تقول «الوطن»، حتى يتردد البعض في السؤال عمن يملك الوطن. قل «الشعب»، فيصبح الشعب فجأة صوتًا واحدًا لا يعترض. قل «المصلحة العامة»، ثم اترك تعريفها في جيبك.

وهكذا تتحول اللغة من وسيلة للتفكير إلى وسيلة لمنع التفكير. والمفارقة أن المواطن قد يصبح مطالبًا بإثبات وطنيته كلما حاول أن يسأل سؤالًا بسيطًا عن المال العام أو القانون أو السلطة أو المستقبل، وكأن حب الوطن يُقاس بمدى قدرتك على الصمت عنه.

من يحكم من؟

لا تحتاج السلطة إلى السيطرة على الجميع بالقوة. يكفي أن تجعل الناس يعيدون إنتاج خطابها من تلقاء أنفسهم: حاكم يراقب، ومؤسسة تبرر، وإعلام ينتقي، ومثقف يفسر، ومواطن يتكيف، وجمهور يراقب الجمهور.

عندها تصبح المزرعة نظامًا اجتماعيًا كاملًا، لا مجرد حكومة. قد يختفي السجن من الشوارع، لكنه يبقى في اللغة، وفي الخوف، وفي الذاكرة، وفي الطريقة التي يتحدث بها الناس عن أنفسهم.

المزرعة داخل الإنسان

ربما لهذا السبب لا تبدأ نهاية الحرية عندما تدخل الدبابة إلى الشارع، بل عندما يصبح الإنسان عاجزًا عن تخيل نفسه خارج اللغة التي صنعتها السلطة.

فالاستبداد الأكثر اكتمالًا ليس أن يمنعوك من التفكير، بل أن يحددوا لك مسبقًا حدود الشيء الذي تستطيع التفكير فيه.

وعندما تصبح المزرعة داخل الإنسان، يمكن إزالة الأسوار، وإطلاق الحيوانات، وفتح الأبواب كلها… لن يخرج أحد؛ لأن الحارس لم يعد يقف خارج القفص.

لقد أصبح يسكن في الرأس.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.