منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

شكّل اللقاء الإبداعي المحموم بين أوتار الفنان اللبناني مارسيل خليفة وقصائد شاعر المقاومة محمود درويش انفجارًا جماليًا غيّر ملامح الأغنية السياسية العربية المعاصرة. فقد نجح خليفة في نقل قصائد درويش من فضاء النخبة إلى وجدان الناس، ليزرعها نبضًا حيًا في حناجر العمال والطلاب والأمهات في المخيمات.

وهكذا تحولت قصيدة «أحن إلى خبز أمي»، التي تختزن حنينًا عميقًا إلى الأم والوطن، إلى نشيد كوني يختزل لوعة الشتات والتعلق بالأرض. وغدت «منتصب القامة أمشي» نشيدًا جماهيريًا للصمود، فيما تجسدت «جواز السفر» صرخةً وجودية في وجه الحدود المصطنعة. وتوّجت هذه التجربة بملحمة «أحمد العربي»، التي اختزلت مأساة اللجوء والتداخل المصيري بين الدمين اللبناني والفلسطيني.

لم تكن فلسفة الفن القومي والالتزام الجذري عند خليفة يومًا مجرد شعارات حماسية جوفاء أو مديحًا سياسيًا للأنظمة، بل انطلقت من إيمان عميق بأن الحرية كلٌّ لا يتجزأ. واستند نتاجه إلى الإيمان بقومية القضية العربية وتقديمها بوصفها مأساة إنسانية كونية تنتصر للمهمشين والفقراء ومن لا صوت لهم، بما يحفّز الوعي الجمعي على التمرد على الاستعمار الخارجي والظلم الداخلي على حد سواء.

ولم تقتصر هذه الثورة على الكلمة والموقف الأيديولوجي، بل طالت البنية الهارمونية والموسيقية ذاتها؛ إذ زاوج خليفة ببراعة بين التراث المشرقي، بما فيه الموشحات، والتوزيع الأوركسترالي الغربي الحديث. كما قدّم مؤلفات موسيقية خالصة، مثل «جدل» و«كونشرتو العود»، ليؤكد قدرة الآلة الشرقية على التعبير عن أعقد المشاعر الإنسانية دون حاجة إلى سند لغوي.

واليوم، وبعد عقود من العطاء المعرفي والفني، يظل مارسيل خليفة مدرسة طليعية متكاملة لم تنحنِ رغم الملاحقات والتضييق. وتبقى أغنياته وقودًا متجددًا مع كل حراك شعبي ينشد العدالة، لتثبت أن الوتر المثقف قد يكون أمضى من الرصاص، وأن العمل الموسيقي الصادق لا يموت بانتهاء سياقه الزمني، بل يخلد بخلود القضية الإنسانية التي دافع عنها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.