عبدالمنعم مختار
في السودان، لم تعد عبارة «فلانة بقت بايرة» مجرد تعليق عابر من نساء الحلة أو في جلسات الشاي والقهوة؛ فقد تحولت، مع مرور الزمن، إلى عنوان لظاهرة اجتماعية أكبر من الفتاة نفسها. بيد أن المجتمع الذي كان يسأل البنت في العشرين: «متين نفرح بيك؟» صار اليوم يسأل الشاب في الأربعين: «يا أخي إنت مالك؟».
في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، كان الزواج أبسط وأسهل وأقل كلفة. فقد يبدأ الشاب حياته ببيت متواضع، وتتجمع «العِدّة» بالمساعدة: سرير من العم، وثلاجة من الخال، ويتكفل الأهل والجيران بتكاليف «العُرس». وكان الزواج من الأقارب، خصوصًا بنات العم، أو ما يُعرف شعبيًا بعبارة «غطي قدحك»، حاضرًا بقوة؛ فقائمة الاختيار موجودة داخل دفتر العائلة أصلًا.
أما اليوم، فأصبح الزواج مشروعًا اقتصاديًا يحتاج إلى وظيفة وسكن ومهر وحفل وأثاث، وربما سيارة، وقبل ذلك كله أعصاب من حديد. والشاب الذي لا يستطيع توفير هذه المتطلبات يردد قائلًا: «لسه بدري»، وقد تمتد عبارة «لسه بدري» إلى عقد من الزمان!
وفي المقابل، لم تعد الفتاة تنتظر أي عريس والسلام. فالتعليم والعمل وتغيّر الوعي جعلوها أكثر قدرة على الاختيار، وأقل استعدادًا للدخول في زواج لا ترى فيه شراكة حقيقية.
في الريف، كان الزواج المبكر أكثر حضورًا، وكانت الأسرة والعائلة والجيرة تلعب دور الوسيط. أما في المدن، فقد اتسعت دائرة الاختيار وارتفعت التوقعات، وأصبح العثور على «العريس المناسب» أشبه بالبحث عن إبرة وسط كومة قش: مؤهل، وذو دخل محترم، ولديه منزل، ويتحمل المسؤولية، ويُفضّل ألا يكون عليه «قسط»!
وبعد أكثر من ثلاثين عامًا عجاف، جاءت الحرب لتضرب ما تبقى من مقومات الاستقرار. فالنزوح والهجرة وفقدان البيوت والأعمال وانهيار الدخل لم تؤجل الزواج فحسب، بل مزقت شبكات القرابة نفسها، وفرّقت الأسر، وأضعفت مناسبات التواصل والخطبة، ودفعت أعدادًا كبيرة من الشباب إلى الهجرة أو العيش في ظروف لا تسمح بالتفكير في تأسيس أسرة.
وهنا يظهر الأثر الاجتماعي الأعمق للحرب: جيل كامل يتأخر في الزواج وتكوين الأسرة والإنجاب، وتتسع معه دوائر الوحدة والعزلة، وتتغير خريطة العلاقات الاجتماعية، بينما تتحمل النساء وحدهن، في كثير من الأحيان، وصمة «البايرة».
فماذا يمكن أن نفعل؟ البداية بتبسيط الزواج، وخفض المهور والمطالب، وتأجيل الكماليات. وعلى الشباب البحث عن مصادر دخل متعددة، مع تشجيع المشروعات الصغيرة والتعاونيات وصناديق التكافل لمساعدة المقبلين على الزواج.
والأهم أن نتوقف عن التعامل مع الزواج باعتباره مزادًا اجتماعيًا. فالبيت لا يحتاج في يومه الأول إلى أن يكون معرضًا للأثاث، والحفل ليس امتحانًا أمام الناس.
إن «البايرات» لسن مشكلة النساء وحدهن، وعزوف الشباب ليس فسادًا في جيل كامل؛ إنها أزمة مجتمع أنهكته ظروف المعيشة والأوضاع الاقتصادية، ثم جاءت الحرب، التي لا بد أن تقف، لتمثل القشة التي قصمت ظهر البعير، وتزيد من تعقيد شروط الحياة.
وربما آن الأوان أن نسأل المجتمع، لا الفتاة: «إنتو عملتو شنو عشان الزواج يبقى ممكنًا؟».
فالزواج الذي كان يومًا بداية الحياة أصبح عند جيل الحرب حلمًا مؤجلًا، وربما يحتاج إلى معجزة اقتصادية قبل أن يحتاج إلى «نصيب»!

Leave a Reply