من رحم المعاناة تزداد مساحة الوعي وتتساقط الشعارات

صحيفة الهدف

أنس حامد
في هذا الشهر، ومنذ أكثر من خمسة أعوام، وتحديدًا في أكتوبر 2021م، بدأ التنفيذ العملي لسرقة أحلام وأمنيات الشعب، بعد أن قدم هذا الشعب التضحيات الكبيرة في انتفاضة ديسمبر الخالدة. وعلى طريق الخلاص والحرية، كانت الآمال والتطلعات كبيرة.
ولكن كانت قوى الظلام والردة تخطط لعرقلة مسار التحول المدني الديمقراطي، حيث اجتمع كل أعداء الحرية والسلام والعدالة لإجهاض انتفاضة الشعب.
وبدأ المخطط بخنق حكومة الفترة الانتقالية بالأزمات المفتعلة، من خلال إغلاق ميناء بورتسودان، وإشعال الصراعات بين المكونات الاجتماعية في مناطق التماس، مع خلق حالة من السيولة الأمنية، وتحميل الحكومة نتائج تلك الأزمات.
ولاستكمال حلقات المؤامرة، تداعى إعلام الزيف والضلال إلى بث خطاب التخوين والتحريض، لتسهيل خلط الأوراق داخل مكونات قوى الثورة، من خلال تواجد عناصرهم داخل مفاصل الدولة، الذين عملوا على تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ثم بث خطاب الفشل وتحميل الحكومة مسؤوليته.
وأخيرًا، أفصح الانقلابيون عن نواياهم عبر انقلابهم على سلطة الشعب التي جاءت بنضالات مشهودة وتضحيات كبيرة. وكان من ضمن مسوغاتهم حالة التدهور الاقتصادي والاجتماعي، على نسق انقلاب يونيو المشؤوم عام 1989م وبذات المسوغات التي تدثر خلفها انقلاب جماعة الترابي.
لم يمر وقت طويل حتى بدأت الأوضاع تزداد سوءًا في كل مناحي الحياة. وبالرغم من أن الانقلاب جاء منتحلًا صفة المؤسسة العسكرية بدعوى عجز حكومة الثورة عن مواجهة التحديات الأمنية، فإنهم عندما عجزوا عن كسر عزيمة الشعب، أشعلوا حرب 15 أبريل 2023م، ظنًا منهم أنها ستقودهم إلى الاستفراد بالسلطة.
وبالرغم من وصفهم الحرب بـ«حرب كرامة» وغيرها من المسميات، فإن تطاول أمدها وما رافقها من انتهاكات وجرائم جرد أطرافها من أي شعارات، وتكشفت حقيقة أهدافها: استعادة سلطة قوى الردة التي أسقطها الشعب.
ونتيجة للتخريب الذي طال المؤسسات والقطاعات، ومع تكاليف الحرب، تفاقمت الأوضاع حتى وصلنا إلى نقطة الصفر، وتضاعفت معاناة المواطن بصورة لم تشهد لها البلاد مثيلًا.
الآن أصبحت الحياة في غاية الصعوبة، وتجلت الأزمة في أوضح صورها. انكشف زيف الشعارات التي رُفعت تارة باسم المحافظة على الوطن، وأخرى باسم الكرامة أو الديمقراطية. فأين المحافظة على الوطن والحرب قسمت البلاد وخلقت حكومتين بلا شرعية وجيوشًا وميليشيات لا حصر لها؟ وأين الكرامة في ظل عجز المواطن عن أبسط مقومات حياته؟
إن انكشاف زيف الشعارات مع تفاقم المعاناة أوصل الجميع إلى وعي مشترك: هذه الأوضاع لن تتغير إلا بوقف الحرب واستعادة الاستقرار، وألا مكان لمن أشعلها أو دعا إلى استمرارها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.