الشَبابُ وتَحصِينُ الوَطنِيّةِ بالعُروبَة

صحيفة الهدف

د. عبده شحيتلي – لبنان

المِنَصّة الَشبابيّة

انطلاقًا من حقيقة أن الشباب هم صناع الحاضر العربي وجوهر قوته وحيويته وهم قادة مستقبله، فقد تم تأسيس هذه المنصة الشبابية لتكون باباً جديداً من ابواب النشر لمكتب الثقافة والاعلام القومي لتطل على الشباب العربي من خلال مناقشة شؤونه و طرح قضاياه  الراهنة و التعبير عن تطلعاته المستقبلية. وهي مخصصة  حصرياً لنشر كتابات الشباب وإبداعاتهم في المجالات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية وذلك لتعميق مساهمتهم في الدفاع عن قضايا أمتنا العربية وصناعة مستقبلها. كذلك فإن المنصة تعنى بمتابعه مايصدر من موضوعات ثقافية وإعلامية وفنية في وسائل الإعلام العربية ودول المهجر، التي لها علاقة بقضايا الشباب في الوطن العربي،  وترجمة ونشر ما يخدم منها في مواجهة تحديات الأمة وتحقيق نهضتها الحضارية الشاملة.

الشَبابُ وتَحصِينُ الوَطنِيّةِ بالعُروبَة

د. عبده شحيتلي – لبنان

(جزء من ورشة عمل شبابية تحت شعار : “بالوعي والتجربة نصقل طاقات شباب اليوم ليصبحوا قادة للمستقبل ” نظمتها ” كفاح الطلبة ” بالاشتراك مع المكتب الطلابي القطري في حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي في بلدة عنجر البقاعية في 27 – 9 – 2026) .

إن التوجه للشباب، وهم هذه الفئة من المجتمع التي تجاوز أفرادها في نموهم النفسي – الاجتماعي مرحلة الطفولة والسنوات التالية لها حيث الوعي المسيج بحضور الأهل والمحيط الاجتماعي القريب يخلي مكانه لبروز أزمة الهوية عندهم في بداية مرحلة المراهقة.في هذه المرحلة ذات الأهمية الشديدة يحتاج الأفراد إلى ما يساعدهم في البحث عن الخيارات التي توجه حياتهم وترسم ملامح هويتهم من جهة، ويحتاج المجتمع إلى العمل على استثمار طاقاتهم ذات الأهمية الكبيرة والحاسمة في الاتجاهات الوطنية البعيدة عن مختلف أشكال العصبيات الاجتماعية، من جهة أخرى . والأساس في ذلك يتعلق بمدى القدرة على توجيه وعيهم للاهتمام بالشأن العام .

في هذا الإطار تم تقديم مثالاً عن انتفاضة تشرين في لبنان، والانتفاضات الشعبية العربية التي غلب عليها الطابع الشبابي وبرز فيها، ميدانيًا، عدد كبير من الفاعلين الذين تشكل وعيهم الوطني واهتمامهم بالشأن العام نتيجة لعملهم السابق في الأطر الشبابية والحزبية.

وانطلاقاً من حقيقة أن التمرد هو سمة مميزة للشباب في هذه المرحلة من نموهم النفسي – الاجتماعي ، وأن ذلك يسهم في توليد طاقة تغيير اجتماعية يمكن أن تهدر أو تتجه في مسارات سلبية في المجتمعات التي تفتقد إلى مؤسسات الدولة التي تهتم بهذه الطاقات، تم التاكيد على ضرورة حضور المجتمع المدني من خلال  أحزابه وجمعياته وأطره المنظمة للعمل على توظيف الطاقات الشبابية في الاتجاهات التي تخدم الشأن العام، وتندرج في إطار تعزيز السلم الأهلي والوحدة الوطنية والتنمية والتقدم الاجتماعي .

بالانتقال إلى الحديث عن المسألة الوطنية تم تناول موضوع الهويات الاجتماعية المركبة ؛ فانتماء الفرد إلى عائلة أو عشيرة أو طائفة أو منطقة جغرافية تنشأ عنه هوية اجتماعية مركبة تبنى عليها، في أحيان كثيرة، مواقفه وعلاقاته بمحيطه الاجتماعي.

هذه الهويات المعقدة والمركبة يمكن أن تلعب دوراً اجتماعياً إيجابياً على صعيد التكافل والتضامن الاجتماعيين، ولكنها تصبح هويات قاتلة إذا تحولت إلى عصبيات تؤسس للنزاعات والاضطرابات الاجتماعية حين تبنى على التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو طائفي أو مذهبي أو عائلي أو مناطقي ؛ لذلك ينبغي التربية على المواطنية، منذ بداية تفتح وعي الشباب باتجاه تكوين هوية خاصة بكل فرد منهم، للوصول إلى هوية وطنية جامعة أساسها الانتماء الوطني الذي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس مبدأ المواطنية حيث التساوي بين المواطنين يحكمه أساس قانوني يحدد الحقوق والواجبات، وأساس إنساني يرتكز إلى التساوي في الكرامة الإنسانية  الذي يتطلب لجم أية نزعة  فردية أو جماعية للتمييز عنصري .

إن الرابطة الوحيدة التي تكفل الانسجام بين المواطنين، وسيادة السلم والانسجام الاجتماعيين هي الرابطة الوطنية التي تكافح سائر العصبيات الدينية والطائفية

والمذهبية والقبلية والعرقية والإقليمية. وما ينطبق على هذه الرابطة، ينطبق تمامًا على الرابطة القومية التي تربط بين أبناء الأمة لأنهما يتفقان في الطبيعة ولا يختلفان إلا في المدى والاتساع .

وبالانتقال إلى تناول مسألة العروبة القائمة على الرابطة القومية فإنه بعد أن دخلت البشرية في تطورها التاريخي  عصر القوميات،  باتت فكرة العروبة تعبيراً صادقاً عن هوية ثقافية – حضارية انتجتها مجموعة من العوامل المتداخلة التي أسهمت في التكوين التاريخي للأمة العربية بما ينسجم مع المسار التاريخي العام للإنسانية بمختلف أشكالها وتلاوينها.

في العصر الحديث بدأت هذه الهوية العربية بالتعبير عن ذاتها مرة أخرى بأشكال مختلفة منذ نهايات القرن التاسع عشر، في مناطق الوطن العربي التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية التي كانت تعتبر بمعنى من المعاني استمراراً للخلافة الإسلامية. وبعد انهيار السلطنة، بفعل تحالفاتها المرتبطة بالح.رب العالمية الأولى، تحولت هذه الهوية من حالة ثقافية ووجدانية إلى دعوة سياسية لقيام دولة عربية مكتملة الأركان كما هي حال كل الأمم التي تحولت إلى دول على صعيد العالم .

باتت فكرة العروبة تتمثل بالإيمان بأن : العرب أمة واحدة من حقها الطبيعي أن تتجسد في دولة واحدة ، حالها في ذلك كحال كل الدول الحديثة في العالم . وما إعلان الدولة العربية الكبرى بعد انهيار السلطنة العثمانية إلا تعبير عن وعي العرب بهويتهم، وسعيهم إلى تحقيق الشخصية العربية في التاريخ وتجسيدها في دولة تقوم على الرابطة القومية .

منعت الدول الاستعمارية قيام الدولة العربية معتمدة في ذلك على المكر الدبلوماسي والسياسي والقوة العسكرية الغاشمة المنفلتة من أية ضوابط شرعية قانونية أو إنسانية، وحولت مشرق الوطن العربي ومغربه إلى مناطق نفوذ آلت فيما بعد إلى قيام الأقطار العربية بحدودها المعترف بها دولياً .

ولكن على الرغم من المحاولات الحثيثة التي قام بها المستعمرون فقد فشلوا في طمس الهوية العربية ولعل الجزائر تشكل مثلاً صارخاً لهذا الفشل . ورغم محاولات نشر  ما يسمى بالثقافتين “الفرنكوفونية والأنكلوساكسونية”  في أرجاء الوطن العربي ، فإن الهوية العربية ظلت أقوى من قدرة المستعمرين، على اختلاف تلاوينهم، على المس بها سعياً لتأمين مصالحهم غير المشروعة .

وفي خمسينيات و ستينيات القرن الماضي بات واضحاً أن المشروع القومي العربي الذي أخذ على عاتقه التصدي للمشاريع الاستعمارية الغربية والاحتلال الصه.يوني لفسلطين من جهة ، والعمل على تحقيق النهوض القومي من جهة أخرى، عمل على إطلاق طاقات الدولة الوطنية ومحاولة توظيفها في إطار مشروع قومي واحد يطمح إلى تجسيد العمل العربي المشترك في صيغ وحدوية تتعدى الإطار الذي جسدته جامعة الدول العربية .

ما استطاع المشروع القومي العربي أن يتجسد في شكل من أشكال الدولة العربية  الواحدة ، لكن حضور هذا المشروع ، بأحزابه وقياداته التاريخة والتأييد الجماهيري الواسع له، شكل نوعًا من المناعة التي تحمي النسيج الاجتماعي في الدولة الوطنية، وتجعلها منفتحة على التنمية والتطور السياسي والثقافي والفكري والاجتماعي . وحين كانت تنشب النزاعات الداخلية كما حدث في لبنان في العام 1958 ، أو أحداث أيلول في الأردن عام 1970 كان الحضور القومي كفيلاً بوضع حد لها ومنعها من التفاقم.

وبعد استهداف هذا المشروع تلاشت مناعة الدولة الوطنية، وبات النسيج الإجتماعي عرضة للتمزق بفعل النزاعات التي تنشأ عن العصبيات الداخلية التي تخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية غير المشروعة في الأقطار العربية .

من ينظر في مسار الأحداث في الوطن العربي منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم يتبن له أن تحصين الوطنية في الداخل لا بد له من قيام دولة المواطنة التي تعتمد النظام الديمقراطي في جانبه الاجتماعي الذي يؤدي لقيام دولة الرعاية الاجتماعية . وفي جانبه السياسي الذي يقوم على الحريات ، والفصل

بين السلطات، وتداول السلطة القائم على انتخابات وفق قانون تمثلي عادل. ولكن أية تجربة وطنية مهما بلغت درجة تطورها لن تكون بمنأى عن التدخل الخارجي ، واستغلال نقاط الضعف فيها للارتكاس بالمجتمع نحو الحالات ما قبل المدنية ما لم يتم تحصينها بالعروبة.

إن المشروع الص.هيوني الذي تخوض الأمة معه صراع وجود، ومشاريع الدول الكبرى التي تعتمد سياسات الهيمنة والتسلط لتحقيق مصالحها الاقتصادية لا يمكن للدولة الوطنية أن تواجهما إلا بوجود مشروع قومي عربي ؛ فالدول المحيطة بالوطن العربي تميل إلى التغول على الدولة الوطنية والتعاون مع الدول الكبرى لتحقيق مصالحها الخاصة في غياب هذا المشروع ، ولا يمكن أن تصبح صديقة للعرب إلا إذا كانوا أقوياء ؛ لذلك لا مبالغة في القول إن تحصين الوطنية لا يمكن أن يتم بدون العروبة، مهما كان شكل النظام السياسي في اية دولة عربية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.