المشروع الإيراني في الوطن العربي: قراءة في أدوات النفوذ وحدوده

صحيفة الهدف

سلسلة قراءات تحليلية في التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر – 7

إعداد: لجنة الدراسات الاستراتيجية

لم يعد المشروع الإيراني في الوطن العربي مجرد نفوذ تمارسه دولة إقليمية تبحث من خلاله حماية لمصالحها؛ بل تحول خلال العقود الماضية إلى مشروع بالغ الخطورة يستهدف إضعاف واختراق الأمن القومي العربي للهيمنة على مقدرات الأمة حاله حال المشروع الصـ.ـهيوني، حيث استفاد من تدمير مراكز القوة العربية وخاصة العراق وانهيار الدولة الوطنية في أكثر من قطر، ووظف الطائفية والميليـ.ـشيات والأحزاب المرتبطة به لبناء مناطق نفوذ تمتد من العراق إلى سورية ولبنان واليمن.

والمسألة ليست خصومة مع الشعب الإيراني، وإنما مواجهة مشروع إقليمي توسعي عنـ.ـصري يتغذى من ضعف العرب ويعمل داخل أرضهم وعلى حساب سيادتهم وأمنهم القومي. وهذا ما يضعه التقرير السياسي للمؤتمر الثالث عشر في سياق تصاعد تدخل القوى الإقليمية غير العربية في المجال القومي.

العراق: البوابة التي دخل منها المشروع الإيراني

لا يمكن فهم الصعود الإيراني من دون البدء من احتلال العراق عام 2003. فالاحتلال الأمريكي لم يسقط نظاماً سياسياً فحسب؛ بل دمر دولة عربية مركزية، وحل جيشها ومؤسساتها، وأخرج العراق من معادلة القوة العربية، وفتح بوابة المشرق والخليج العربي أمام النفوذ الإيراني.

وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات المرحلة: أمريكا حطمت القوة العراقية لكي تفتح الباب أمام إيران للتقدم في الفراغ الذي خلفته الدبابات الأمريكية.

ويؤكد التقرير أن النفوذ الإيراني توسع بعد احتلال العراق، وأن طهران استفادت من الواقع الذي صنعه الاحتلال للإمساك بمفاصل واسعة من الوضع العراقي.

ولم يكن الاختراق سياسياً فقط. فقد دعمت إيران قوى وأحزاباً وميليـ.ـشيات مسـ.ـلحة مرتبطة بها عقائدياً وسياسياً، حتى نشأت مراكز قوة موازية للدولة، وأصبحت متحكمة في القرار العراقي محكومة بتوازنات طائفية تتجاوز بغداد إلى طهران.

والأخطر أن العراق تعرض لعملية تفكيك اجتماعي وسياسي قامت على تحويل المذهب والطائفة والقومية إلى أدوات لتوزيع السلطة والنفوذ. فتراجعت الهوية الوطنية والقومية الجامعة أمام المحاصصة، وتحولت الطائفية إلى معول يضرب وحدة المجتمع العراقي.

كما استفادت إيران اقتصادياً من ضعف العراق وتبعيته في قطاعات حيوية، ومن اتساع التجارة والتدفقات المالية والطاقة عبر الحدود، فتسابقت في نهب ثرواته بالتنسيق مع الميليشيات العميلة. وهكذا أصبح الاختراق متعدد الأبعاد؛ سياسياً وميلـ.ـيشياوياً وأمنياً واقتصادياً ومذهبياً. ولم تعد المـ.ـعركة على حكومة عراقية أو قرار سياسي بعينه، بل على هوية العراق وثروته ودوره التاريخي بوصفه إحدى قواعد الارتكاز الأساسية في المشروع القومي العربي.

من العراق إلى سورية ولبنان

بعد تثبيت النفوذ في العراق، أصبح الطريق مفتوحاً غرباً، وشكلت سورية الحلقة الجيوسياسية التي تربط إيران بالعراق ولبنان والبحر المتوسط. واتخذ التدخل الإيراني فيها أبعاداً عسكرية وأمنية واقتصادية واجتماعية، فيما يشير التقرير إلى محاولات إحداث تغييرات في بعض البيئات السكانية العراقية والسورية لتثبيت مرتكزات النفوذ الإيراني.

أما لبنان، فقد مثل النموذج الأكثر وضوحاً لبناء قوة مسلحة داخل الدولة مرتبطة بالمشروع الإيراني وتمتلك قدرة سياسية وعسكرية تتجاوز مؤسسات الدولة في مجالات أساسية. ويربط التقرير تصاعد النفوذ الإيراني في لبنان بمرحلة ما بعد احـ.ـتلال العراق، ويرى أن طهران استخدمت الساحة اللبنانية ضمن مشروع إقليمي أوسع شمل العراق وسورية واليمن وفلسـ.ـطين والخليج العربي.

لكن سورية ولبنان كشفا أيضاً حدود هذا المشروع. فقد أدى انهيار الموقع الإيراني في سورية والضربات التي تعرض لها حزب الله واغتيال قياداته إلى إضعاف أحد أهم الممرات التي بنتها طهران طوال سنوات. ولذلك يقر التقرير نفسه بأن عامل التأثير الإيراني في المشرق تراجع بعد الضربات التي أصابت مشروعه، وخاصة في سورية.

اليمن: نقل النفوذ إلى البحر الأحمر

في اليمن اكتسب المشروع بعداً استراتيجياً أشد خطورة. فاليمن يجاور السعودية ويطل على باب المندب والبحر الأحمر، أي على أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية.

ويرى التقرير أن انهيار الوضع اليمني منح إيران فرصة لإيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، يمكن استخدامه للضغط على السعودية والتأثير في الملاحة الدولية.

وهكذا تكشف خريطة النفوذ منطقه الاستراتيجي: العراق بوابة المشرق والخليج العربي، سورية جسر نحو المتوسط، لبنان قاعدة متقدمة، واليمن مدخل إلى الجزيرة العربية والبحر الأحمر. وعلى هذه الخريطة يتحرك الاخطبوط التوسعي الإيراني لتسخيرها الأقطار العربية في خدمة أطماعه وأوهامه.

فلسـ.ـطين: القضية غطاء للمشروع وليست بوصلته

أدركت طهران أن فلسـ.ـطين تحتل موقعاً مركزياً في وجدان الشعب العربي، ولذلك رفعت منذ وقت مبكر شعارات تحرير القدس ودعم المقاومة، وقدمت نفسها باعتبارها رأس محور المقاومة.

لكن مسار الأحداث أظهر أن فلسـ.ـطين استُخدمت أيضاً بوصفها غطاءً سياسياً وشعبياً يسمح للمشروع الإيراني بالنفاذ إلى قضايا عربية أخرى. وهذا ما يذهب إليه التقرير عندما يتحدث عن استثمار شعار دعم المقاومة الفــ.ـلسطينية في بناء الحاضنة اللازمة للتمدد الإيراني.

وجاءت حرب غـ.ـزة لتضع هذا الخطاب أمام اختبار الفعل. فإيران لم تدخل الحـ.ـرب مباشرة إلى جانب المقاومة الفـ.ـلسطينية، وحافظت على حسابات ومواقف تمنع تحول المواجهة إلى حـ.ـرب شاملة تهدد الدولة الإيرانية نفسها. ثم تعرض لبنان لعدوان صـ.ـهيوني واسع وقُتل حسن نصر الله وعدد كبير من قيادات حزب الله وتعرضت بنيته العسكرية لضربات قاسية، من دون أن تحرك إيران ساكنا للدفاع عنه.

وهنا ظهر التناقض بين ضخامة خطاب «وحدة الساحات» وحدود الوهم الإيراني عندما تصبح كلفة المواجهة المباشرة مرتفعة على إيران نفسها. ففلسـ.ـطين، من المنظور القومي، ليست ورقة في استراتيجية أي قوة إقليمية، وإنما قضية الأمة العربية المركزية.

الطائفية والفراغ العربي

أخطر أدوات المشروع الإيراني كانت تحويل الانقسام المذهبي إلى أداة سياسية. فكلما تحول المواطن العربي من الانتماء إلى وطنه وأمته إلى الاحتماء بطائفته، اتسعت أبواب الاختراق الخارجي.

ولا تواجه هذه الطائفية بطائفية مضادة؛ فالشيعي العربي جزء أصيل من الأمة مثل السني والمسيحي وسائر مكوناتها. والمواجهة القومية الحقيقية تكون بالمواطنة والعروبة والدولة الوطنية القوية.

والحقيقة الأهم أن إيران لم تصنع وحدها القوة التي اكتسبتها؛ فقد تمددت أساساً داخل الفراغ العربي. وهذا ما يشدد عليه التقرير حين يربط «انتفاخ» المشروع الإيراني بتدمير العراق وتراجع المشروع القومي وانكشاف المجال العربي.

الحرب الأمريكية– الإيرانية: من يدفع الثمن؟

وجاءت الحرب الأمريكية– الإيرانية الراهنة لتكشف بصورة أكثر حدة حدود المشروع الإيراني ومأزق الأمن القومي العربي معاً. فقد تعرضت إيران لضربات أمريكية وصـ.ـهيونية واسعة، وفقا لأهداف خاصة بهذين الحليفين، وسارعت إيران لنقل جزء محدود من ردها إلى استهداف القواعد والمنشآت الأمريكية الموجودة على الأرض العربية، ولا سيما في دول الخليج العربي، لكن الجزء الأساسي من الرد الإيراني كان على الأعيان ومنشآت الطاقة والمطارات الخليجية ومصالحها الاقتصادية في مضيق هرمز وباب المندب مما يفضح النوايا العـ.ـدوانية الحاقدة للنظام الإيراني.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: المشروع الذي رفع طوال عقود شعار مواجهة أمريكا والكيان الصـ.ـهيوني وجد نفسه، عندما اندلعت المواجهة الكبرى، ينقل الجانب الأكبر من نيران الحـ.ـرب إلى الساحة العربية.

وهذا يؤكد جوهر القراءة القومية التي يقوم عليها التقرير؛ لا أمن للأمة في الارتهان لأمريكا، ولا في الخضوع لمشروع إيراني، ولا في فتح الوطن العربي لساحات صـ.ـراع الآخرين. فالقواعد الأجنبية من جهة، والصـ.ـواريخ الإيرانية من جهة أخرى؛ تجعل الأرض العربية هي التي تدفع ثمن مواجهة لم يصنع العرب قرارها.

إن مواجهة المشروع الإيراني لا تكون باستدعاء المشروع الأمريكي أو الصهـ.ـيوني؛ وإنما بإنهاء الفراغ القومي نفسه؛ باستعادة العراق لدوره العربي، وبناء الدولة الوطنية في سورية ولبنان واليمن، وتحصين الخليج العربي والبحر الأحمر، وإعادة بناء منظومة أمن قومي عربي مستقلة ومجتمعات عربية تسودها المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية. فالوطن العربي ليس مجالاً حيوياً لإيران، ولا قاعدة متقدمة لأمريكا، ولا فضاءً للمشروع الصهـ.ـيوني؛ إنه وطن أمة واحدة، ولن تحميه في النهاية إلا قوتها وإرادتها ومشروعها القومي التحرري الوحدوي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.