ماجد الغوث
تتمدد كردفان في قلب السودان كلوحة بديعة تمازجت فيها سمرة الرمال بخضرة السافنا، وشموخ الجبال بتدفق الوديان. إنها ليست مجرد رقعة جغرافية في خريطة الوطن، بل حالة وجدانية وثقافية متفردة، وذاكرة حية تختزن ملامح الأصالة السودانية في أبهى صورها؛ حيث تلتقي ثقافة البادية بروح الاستقرار، وتصاغ تفاصيل الحياة اليومية بألحان الشجن، وعزة الفروسية، وكرم الضيافة.
أرض الهشاب والذهب الأبيض.. ثقافة تتجاوز الاقتصاد
حين يُذكر اسم كردفان، يتبادر إلى الذهن عبق شجر الهشاب وتلال الصمغ السوداني، غير أن جني هذا الذهب الأبيض ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو طقس اجتماعي تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل. تبدأ الحكاية مع نهايات الخريف بموسم الطق، حيث يتنادى الرجال إلى الغابات فجرًا، تسبقهم أهازيج حماسية تكسر سكون الصباح، في مشهد تتجلى فيه معاني التآلف والتآخي والكد الشريف، حتى يتحول موسم الحصاد إلى عرس سنوي يفيض خيرًا وبركة.
إيقاعات ترسم الوجدان.. من المردوم إلى الجراري
الموسيقى والرقص في كردفان لغة حية تعبر عن البيئة وتفاصيلها.
- في بوادي الغرب والجنوب، يصدح إيقاع المردوم، تلك الرقصة الشعبية التي ترتج لها الأرض بضربات الأقدام المتسارعة والمتناسقة، في محاكاة بصرية وصوتية لركض الخيل وحوافر الإبل، وتعلو معها حناجر الشعراء بالفخر والحماسة والغزل العفيف.
- وإلى جواره، ينساب الجراري بهدوئه الرزين وأوزانه الشعرية الممتدة، معبرًا عن ليل الصحراء الطويل وأنس المسافرين.
- وحين تتجه الأنظار نحو جبال النوبة، تتجلى عبقرية التراث الإنساني في رقصة الكمبلا وسبر الحصاد، حيث يتزين الشباب بقرون البقر وذيول الجياد وجلاجل النحاس، في طقس احتفالي يجسد اكتمال الرجولة والفروسية واستقبال مواسم الخصب والنماء، على وقع طبول النقارة والبخسة التي توحد القلوب قبل الأجساد.
المسدار والدوبيت.. ديوان البادية وحكمتها
ظل الشعر الشفاهي هو الحافظ لتاريخ كردفان ووجدانها؛ فشعر الدوبيت، بمفرداته الجزلة وتصاويره البلاغية البسيطة، يختصر فلسفة البدوي في الصبر والوفاء والشجاعة. وتأتي قصائد المسادير، التي تصف رحلات الرحل وظعائنهم، لتوثق التضاريس والآبار وتفاصيل العشق وأطلال الديار، حتى أضحت تلك القصائد بمثابة وثيقة جغرافية وإنسانية وتاريخية تعتز بها الأجيال.
روح النفير.. دستور التكافل الأخوي
لعل أبهى ما يميز النسيج الاجتماعي الكردفاني هو مبدأ النفير، تلك القيمة السودانية الخالصة التي تتجلى حين يهب أهل القرية أو الفريق هبة رجل واحد لمعاونة أحدهم في زراعة أرض، أو حصد محصول، أو تشييد بيت، دونما مقابل سوى الألفة والشهامة، وسط زغاريد النساء وتوزيع ولائم الكرم من العصيدة والكسرة وفناجين القهوة الزكية المضمخة بالزنجبيل والحُبحان.
هوية تأبى الاندثار
إن تراث كردفان، بتعدد روافده وتناغم أطيافه، يمثل مرآة صادقة للشخصية السودانية في عمقها الإنساني. إنه تراث يرسخ قيم التسامح والتعايش والتكاتف، ويذكرنا دومًا بأن أصالة الأوطان تنبع من جذور شعوبها، ومن تلك الأهازيج العذبة التي تصعد من أرياف كردفان لتحكي للعالم قصة مجد كُتب على صفحات الرمال، وظل خالدًا عبر الزمان.

Leave a Reply