فيروز.. «زهرة المدائن» وذاكرة العرب التي لا تموت

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

منذ أن أطل صوتها على ليل الشرق، لم تعد فيروز مجرد مطربة، بل غدت ذاكرةً عربية تمشي على نغم، ووجدانًا جماعيًا تختبئ في طبقاته حكايات الحب والحرب والحنين والانتماء.

خرج صوتها من لبنان، فعبر الحدود وألغى المسافات، ثم صار وطنًا آخر لمن ضاقت بهم الأوطان.

في حضرتها، لم تعد المدن أسماءً على الخرائط، بل صارت أرواحًا وأوجاعًا وجراحًا لا تندمل.

ولعل القدس كانت أكثر المدن التصاقًا بصوتها؛ ففي أغنية «زهرة المدائن» لم تغنِّ فيروز مدينةً فحسب، بل استحضرت روحًا عربية مثقلة بالفقد، حيث جعلت من الأغنية صلاةً وذاكرةً وجسرًا فوق كل المسافات.

فحين تصدح بقولها: «لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي»، لا تبدو الكلمات غناءً بقدر ما تبدو ابتهالًا يخرج من قلب أمة.

وحين تشدو: «عيوننا إليك ترحل كل يوم»، تصبح القدس وطنًا لا تحجبه المسافات ولا تطفئه الخرائط؛ فالعين قد تعجز عن الوصول، لكن الروح لا تعرف طريقًا آخر سوى العودة.

تتجلى عبقرية فيروز في أنها لا تصرخ لتصنع الألم، بل تهمس فيزداد الوجع، ولا ترفع صوتها لتوقظ الذاكرة؛ بل يكفي أن تبدأ حتى تنهض المدن من سباتها، ثم تعود القدس من خلف الغياب، كأنها لم تغب قط.

«زهرة المدائن» ليست أغنية عابرة في تاريخ الموسيقى العربية، بل ذاكرة مدينة صيغت من لحن وكلمات وصوت، ثم أصبحت مع الزمن جزءًا من الوعي العربي. وكلما صدحت بها فيروز، عاد إلى القدس وجهها الأول، وعاد إلى الإنسان شيء من قدرته على الحلم.

لقد أثبتت فيروز أن الفن، حين يبلغ ذروة صدقه، يصبح مقاومةً للنسيان، وأن الأغنية قد تكون أقدر من الخطب على حفظ الأوطان، وأعمق من الشعارات في ترميم الذاكرة.

لهذا، لا تبدو فيروز مجرد صوت لا يشيخ، بل تبدو ذاكرةً عربية عصيةً على الأفول، وحارسةً للجمال في زمن تتكاثر فيه الخرائط وتضيق فيه الأوطان.

إن جيش الياسمين لا يحمل سلاحًا ولا يترك وراءه خرابًا، بل يحمل أغنيةً وذكرى وحنينًا، ويقاوم بقوة الجمال؛ تلك القوة التي لا تستطيع الحروب أسرها أو قطع أنفاسها.

ستبقى فيروز تغني، وستبقى القدس تستعيد صوتها من «زهرة المدائن».

وسيظل الياسمين قادرًا على أن يشق طريقه من بين الركام؛ لأن ما يُزرع في الوجدان لا تستطيع البنادق اقتلاعه، وما تحفظه الذاكرة لا يملك النسيان مفاتيحه.

ودمتم…

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.