تتحد الصلاة مع الساعد المفتول والعقل النير: فلسفة الإنسان المتكامل في فكر القائد المؤسس ميشيل عفلق (3)

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة

خامساً: امتدادات الإنسان المتكامل:

1. الإنسان المتكامل في علاقته مع الجماهير: لا يمكن للساعد المفتول أن يتحقق في الفراغ. الساعد المفتول يحتاج إلى جماهير تحركه، وإلى علاقة عضوية تربطه بها. فالإنسان الذي ينعزل عن الناس يفقد سبب وجوده، والذي يظن أنه يستطيع بناء نهضة بمفرده يظن مستحيلاً. الجماهير ليست مجرد أداة يحركها القائد، بل هي شريكة في الرحلة وصاحبة القضية. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في علاقة الإنسان مع الجماهير؟

– الصلاة تعلّمه أن الناس سواسية أمام الله، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. الصلاة في المسجد أو الكنيسة أو الدير، هي أولى صور العلاقة مع الجماهير: تصفّف واحد، وإمام واحد، وقبلة واحدة، ورب واحد. فالصلاة تذكره بأن العبادة لا تكتمل في عزلة، بل في جماعة.

– العقل النير يعلّمه أن الجماهير ليست كتلة صماء، بل هي وعي منتشر يحتاج إلى توجيه، وطاقة هائلة تحتاج إلى تنظيم. العقل النير يقرأ نبض الشارع، ويفهم آلامه وآماله، ويتحدث بلغته دون أن يهبط إلى مستواه. كما يعلّمه أن الحكمة الحقيقية ليست في قيادة الجماهير، بل في الاستماع إليهم وفهمهم قبل أن يطلب منهم الفهم.

– الساعد المفتول يعمل مع الجماهير لا فوقهم، ويخالطهم في أفراحهم وأتراحهم، ويقاسمهم همومهم وطموحاتهم. هو لا يبني جداراً بينه وبينهم، ولا يختفي في مكاتبه البيروقراطية. هو معهم في الحقل والمصنع والمدرسة، يوجههم ويتعلم منهم، يقودهم ويستمع إليهم.

أن القائد الذي ينقطع عن الجماهير يفقد شريانه الحيوي، ويصبح صوته لا يسمع وقراره لا ينفذ. وأن التنظيم الذي يتحول إلى قوى منغلقة يتحول من حركة تغيير إلى آلة بقاء، تهمها مصالحها أكثر مما تهمها قضايا الأمة. بالتالي فأن الحزب ليس بديلاً عن الجماهير، بل هو وعيها المنظم وقوتها الموجهة. هو ليس سيداً عليهم، بل هو خادم لقضيتهم.  فالإنسان المتكامل هو صانع القيادة لا صانع العزلة. هو مع الجماهير قبل أن تكون معه، وهو لهم قبل أن يكونوا له. قوته ليست في تفرده، بل في اتحاده. وبقاؤه ليس في حصون معزولة، بل في قلوب الناس.

العلاقة بين الإنسان المتكامل والجماهير ليست علاقة قائد بجمهور، بل علاقة جدلية. الجماهير هي المادة التي يصنع منها الإنسان المتكامل، وهو الوعي الذي يوجهها. وحين تنفصل الجماهير عن الإنسان المتكامل، تتحول إلى غوغاء. وحين ينفصل الإنسان المتكامل عن الجماهير، يتحول إلى نخبوي معزول.

والجماهير في الفكر البعثي ليست وسيلة، بل غاية. هي الأمة في صورتها الواسعة. وهي التي تمنح الشرعية، وتمنح القوة، وتمنح المعنى.

2. الإنسان المتكامل في علاقته مع الآخر: من أخطر الأسئلة التي تواجه أي مشروع نهضوي: كيف نتعامل مع الآخر المختلف عنا – في الدين، أو السياسة، والقومية، أو الثقافة، أو المصالح؟ هل نراه عدواً فنحاربه؟ هل نذوب فيه فنفقده هويتنا؟ أم هناك طريق ثالث؟ الإنسان المتكامل يؤمن بأن الخيار الثالث موجود، بل هو الخيار الوحيد لمن يريد أن يكون فاعلاً في العالم لا ضحية له. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في علاقة الإنسان مع الآخر؟

– الصلاة تعلّمه أن الاختلاف سنة الله في خلقه، وأن الناس ليسوا مطالبين بأن يكونوا نسخاً مكررة. الصلاة تعلّمه التسامح مع من يخطئ بحقه، والرحمة مع من يختلف معه، والحكمة في التعامل مع من يعاديه. قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256). فالآخر ليس بالضرورة عدواً، والاختلاف ليس بالضرورة صراعاً.

– العقل النير يعلّمه أن الآخر يمكن أن يكون مصدراً للإلهام والتعلم، وأن الحضارات لا تنمو بالانغلاق بل بالانفتاح. لكنه يعلّمه أيضاً كيف يأخذ من الآخر أدواته دون أن يأخذ قيمه، وكيف يحترم الآخر دون أن يخضع له. العقل النير يفرق بين الانفتاح الواعي (الذي يثري الهوية) والانفتاح الأعمى (الذي يذيبها).

– الساعد المفتول يمد يده للآخر للتعاون في كل ما يوحد الإنسانية: السلام، وحقوق الإنسان، والتنمية، ومكافحة الفقر، وحماية البيئة. لكنه لا يمد يده ليستجدي، بل ليعطي ويأخذ. هو لا يطلب من الآخر أن يكون مثله، بل يحترمه وهو مختلف.

الجواب الذي يقدمه نموذج الإنسان المتكامل هو نتصالح مع أنفسنا أولاً: نعترف بأخطائنا، نصحح مسارنا، نعرف هويتنا بثقة لا بعصبية. من لا يعرف نفسه لا يستطيع أن يعرف الآخر. ثم ننفتح على الآخرين: نبحث عن نقاط الالتقاء، نتعاون في القضايا الكبرى، دون أن نضطر إلى التخلي عن خصوصيتنا. وهنا مربط الفرس: الخصوصية ليست انغلاقاً، بل هي شرط للتفاعل الحقيقي. فمن لا يملك خصوصية واضحة، لا يستطيع أن يقدم شيئاً مميزاً للآخرين. ومن لا يعرف هويته، لا يستطيع أن يحترم هوية غيره.

فحقوق الإنسان لا نستوردها من الغرب كحزمة جاهزة، ولا نرفضها بدعوى الخصوصية. بل نقرأها من خلال قيمنا، ونضيف إليها، ونطورها بما يتناسب مع واقعنا، دون أن نتخلى عن جوهرها الإنساني. فالحرية والكرامة والعدالة ليست اختراعاً غربياً، بل هي قيم إنسانية عالمية، لكل أمة الحق في التعبير عنها بطريقتها الخاصة. هذا الموقف يتطلب شجاعة، لأنه أسهل أن ننغلق أو أن نذوب. لكنه أيضاً الموقف الوحيد الذي يضمن لنا أن نكون فاعلين في العالم، لا ضحاياه. الإنسان المتكامل لا يختار بين العزلة والذوبان، بل يختار التفاعل الواعي. هو يعرف من أين أتى، وأين يقف، وإلى أين يتجه. وبذلك يكون قادراً على الحوار مع الآخر دون خوف، والتعاون معه دون تبعية.

3. الساعد المفتول والسلمية القادرة: الساعد المفتول ليس ساعداً للقتل، بل ساعداً للبناء. في زمن تتساقط فيه الدماء العربية، يكون أعلى تجليات القوة هو القدرة على وقف النزيف. ليس لأننا لا نقدر على الحرب، بل لأننا نعرف أن الحرب لا تنتج إلا الموت، والموت لا يبني أوطاناً. كيف تتجسد العناصر الثلاثة في السلمية القادرة؟

– الصلاة تعلّمه أن النفس البشرية مقدسة، وأن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعاً. قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32). فالصلاة تخلق في الإنسان قدسية للحياة، وتجعل الدم سائلاً لا يُراق إلا في أضيق الحدود وبأحكام صارمة.

– العقل النير يعلّمه أن الحروب لا تحسم الصراعات، بل تفتحها على احتمالات أخطر. العقل النير يحلل أسباب النزاع، ويبحث عن مخارج سلمية، ويعرف أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، بل في القدرة على إنهائها بشروط تحفظ الكرامة.

– الساعد المفتول هنا ليس ساعداً يضرب، بل ساعداً يبني. هو الذي يعمر ما هدمته الحرب، ويزرع ما أحرقته النيران، ويلملم شتات ما فرقته الأزمات. الساعد المفتول هو الذي يبني المستشفيات والمدارس والمصانع بعد أن تدمرها القنابل.

في زمن تتساقط فيه الدماء العربية في كل مكان، يصبح وقف نزيف الدم ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو ضرورة قومية وشرط للنهضة. لا يمكن لأمة تنزف أن تنتج، ولا لشعب يئن تحت وطأة الحروب أن يبدع. السلمية في الفكر البعثي الأصيل ليست دعوة إلى الضعف أو الاستسلام، بل هي فعل قادر، وليست مجرد موقف سلبي. إنها تعني:

– أن نكون أقوياء حتى لا نضطر إلى استخدام القوة.

– أن نعرف متى نقاتل، ومتى نصنع السلام، ومتى ننتظر.

– أن نمتلك من الوعي ما يجعلنا ندرك أن المعركة الحقيقية ليست دائماً بالسلاح، بل أحياناً بالكلمة، وبالموقف، وبالصبر.

ووقف نزيف الدم يبدأ من استعادة القدرة على الأمل، ومن بناء إنسان لا يرى في الآخر عدواً بالضرورة. إذا كان الإنسان المتكامل هو غاية المشروع النهضوي، فإن تجليات هذا التكامل لا تظهر في السياسة وحدها، بل تمتد إلى الثقافة والفنون وأنماط الحياة اليومية، لأن الأمة لا تعيش بالأفكار المجردة فقط، بل بالرموز الجمالية التي تمنحها الإحساس بالمعنى والانتماء. فالإنسان المتكامل لا يعادي الحياة، بل يدافع عنها. ساعده المفتول يبني ولا يهدم، وسلاحه الأقوى هو قدرته على صنع السلام قبل أن تندلع الحرب، وإن اندلعت فله القدرة على إطفائها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.