بروف حيدر إبراهيم إسماعيل
#ملف_الهدف_الثقافي
ظل اسمي «إحسان»، الذي أطلقه عليَّ والداي، مصدر «غلاغل» و«خميرة عكننة» لازمتني منذ وعيت في هذا العالم. وكنت، وقدر ما الله أداني «مروة» تفكير، لا أدرك سبب السخرية مني، حتى عرفت السبب فبطل العجب!
كانت بنت الجيران تحمل الاسم نفسه؛ فتاة في ريعان الصبا، مكتملة النضارة، لا شية فيها تسر الناظرين. ولأن أصحابي من «جمع المذكر السالم» كانوا يئدون البنات، ويحتقرون تاء التأنيث، ويسفّهون نون النسوة، فقد حكموا بأن «إحسان» اسم أنثوي خالص، لا يمت إلى «دراجين» العاطلة وإخوان فاطمة بصلة. فإحسان التي «يلحدون» إليها أنثى، أما إحسان أنا ففتى سوداني قويم! بالله يا صحابي: «مالكم كيف تحكمون؟»
كبرنا وكبرت «إحسانا»، وكبرتم أنتم، يا البتقروا في كلامي دا، وزدتم «شنّة»! وما زال الاسم يعقدني عديل، رغم إيماني بأن أجمل ما نحمله أسماءنا. لكن، وبالرغم من ذلك، بدأت أفكر في الانضمام إلى حزب «ود قباني» حين قال إن أسخف ما نحمل هو الأسماء.
ثم قابلت شبابًا وفتيات يحملون أسماء مثل جهاد وقمر وإسلام وخلود، يعيشون معها بكل أريحية، فعرفت أن المشكلة ليست في الاسم، وإنما في «اللعب الضاغط» الذي مارسه أبناء جيلي عليَّ بسببه.
وذات يوم، اشتد عليَّ المرض، فذهبت إلى المعمل لإجراء الفحص. وبينما كنت جالسًا في انتظار دوري، دخلت فتاة كأنها خرجت من فيلم هندي؛ فأشرقت أنوار المكان، ونسيت الملاريا، وحدقت بلا عينين، ورقصت بلا ساقين.
كانت تنتظر نتيجة فحصها، وبجوارها شاب يهدّئ من روعها. ثم صاح الفحيص:
ـ «سماح التوم!»
قامت الفتاة. سماح! قلت في سري: اسم على مسمى؛ فقد منحتنا لحظات من السماحة والطيبة، قبل أن يعلن الفحيص:
ـ «ملاريا بوزيتف!»
وقبل أن أستكمل مشاهدة الدهشة على وجهها، جاء صوت الفحيص:
ـ «إحسان عبد الحفيظ!»
لم أدرك للوهلة الأولى أنه يناديني. ثم انتبهت، فهرعت إليه قائلًا:
ـ «إحسان دا، ما دي… أنا إحسان!»
نظر إليَّ مستنكرًا، كأنه كان يأمل في «إحسان» أحسن مما كان!
ناولني النتيجة صامتًا، ووجهه كأنما أغشيه الليل. فتحت الورقة، وقرأت:
Pregnancy test: Positive
وهنا فقط فهمت لماذا كان ينادي: «إحسان عبد الحفيظ»… بينما كنت أنا أبحث طوال عمري عن «إحسان» أخرى!

Leave a Reply