بقلم: ماجد الغوث
لم يكن رفض واشنطن منح الفريق عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً بروتوكولياً عابراً، بقدر ما كان رسالة سياسية صريحة بأن الرجل لم يعد مرغوباً فيه أمريكياً كشريك في مستقبل السودان. وفي المقابل، جاء استقبال الدكتور عبد الله حمدوك ومخاطبته للجمعية العامة ليكمل الصورة، فالرجل الذي أطاح به انقلاب 25 أكتوبر يعود اليوم من البوابة الأممية الأوسع، محمولاً على خطاب مدني يدعو لوقف الحـ.ـرب واستعادة المسار الديمقراطي، وهو الخطاب الذي تفضل واشنطن سماعه في هذا التوقيت.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو هل فكرت واشنطن فعلياً في حمدوك بديلاً للبرهان؟ المعطيات تقول إن الإدارة الأمريكية باتت مقتنعة بأن البرهان أصبح جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، فهو رهينة لتيار الحركة الإسلامية داخل بورتسودان، وعاجز عن اتخاذ قرار وقف الحـ.ـرب، ومتورط في عرقلة كل منابر التفاوض من جدة إلى جنيف إلى الرباعية. أما حمدوك، فرغم ضعف أدواته على الأرض، فهو يمثل بالنسبة لواشنطن والمجتمع الدولي الوجه المدني المقبول، والشخصية التي يمكن تسويقها كرئيس لمرحلة انتقالية جديدة تحظى بشرعية دولية وتقطع الطريق أمام عودة الإسلاميين.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فحمدوك اليوم لا يعود محمولاً على أكتاف الثوار كما في 2019، ولا يستند إلى الشرعية الثورية التي منحته تفويض الشارع، بل يعود عبر بوابة الشرعية الدولية. فمن يستقبله اليوم في نيويورك ليس لجان المقاومة ولا قوى الشارع، بل دوائر القرار الغربي التي تبحث عن واجهة مدنية مقبولة دولياً. هذه العودة تمنحه قوة تفاوضية في الخارج، لكنها تضعه في مأزق الداخل، فالشرعية الثورية التي صنعته تآكلت، والشارع السوداني اليوم منهك بالحـ.ـرب ومنقسم حوله.
أما عن مستقبل الحركة الإسلامية بعد إبعاد البرهان واستقبال حمدوك، فيمثل هذا التحول ضربة استراتيجية لمشروعها الذي راهن على البرهان كواجهة عسكرية لاستعادة السلطة. ستفقد الحركة غطاءها الرسمي وتعود إلى مربع العمل السري، وأي حكومة انتقالية قادمة بدعم دولي ستعمل على تفكيك مفاصل التمكين الاقتصادي والأمني، ومن المتوقع أن تنقسم الحركة إلى تيار متشدد يلجأ للتصعيد العسكري وتيار براغماتي يحاول إعادة التموضع عبر واجهات جديدة، بينما دولياً ستصبح مصنفة كقوة معرقلة للسلام.
واستكمالاً لهذا المشهد، فإن السؤال لم يعد هل تريد واشنطن إزاحة البرهان، بل كيف ستدير مرحلة ما بعد الإزاحة دون أن تنزلق البلاد إلى فراغ أخطر من الحـ.ـرب نفسها. وتشير المعطيات إلى سيناريوهات متدرجة تبدأ باستخدام ورقة حمدوك للضغط نحو هدنة إنسانية شاملة، ثم تفاهمات غير معلنة مع قيادات داخل الجيش تتجاوز البرهان، وصولاً إلى طرح حكومة مدنية تحظى باعتراف دولي تدريجي لسحب الشرعية من بورتسودان.
وفي هذا السياق تبرز رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل كمدخل وطني مغاير للحلول المستوردة، فالحزب يرى أن إيقاف الحـ.ـرب لا يمكن أن يتحقق عبر صفقات الخارج أو شرعيات مفروضة من فوق، بل عبر إرادة شعبية منظمة. وتقوم رؤيته على ثلاث ركائز متلازمة، أولها الوقف الفوري وغير المشروط للحـ.ـرب بآليات رقابة وطنية ودولية تمنع عودتها، وثانيها محاسبة كل أطراف الحـ.ـرب ومن تسبب فيها وأشعلها من قيادات الجيش والدعم السريع وواجهات الحركة الإسلامية، محاسبة عادلة وشاملة لا تستثني أحداً ولا تخضع للمساومات السياسية، وثالثها تعويض المتضررين من الحـ.ـرب تعويضاً مادياً ومعنوياً ونفسياً عادلاً، يعيد لملايين النازحين واللاجئين كرامتهم وحقوقهم المسلوبة. ويؤكد الحزب أن ذلك كله لن يتحقق إلا عبر تكوين جبهة وطنية شعبية عريضة، يتواضع الجميع على برنامجها الوطني، جبهة تضم قوى الثورة الحية ولجان المقاومة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية المخلصة، لتكون هي الحاضنة الشرعية لأي انتقال، والضامن لعدم اختطاف الدولة مجدداً سواء من جنرالات الحرب أو من نخب الخارج.
إن الصراع لم يعد بين البرهان وحمدوك فقط، بل أصبح صراعاً بين أربع شرعيات متداخلة، دولية يحملها حمدوك، وعسكرية يدعيها البرهان، وميدانية يفرضها حميدتي، وشعبية يمثلها ملايين النازحين الباحثين عن وقف الحـ.ـرب. والتجربة أثبتت أن أي تسوية مستوردة من الخارج تنهار أمام الواقع العسكري، وأن أي حل عسكري مفروض ينهار أمام غياب الشرعية الشعبية والدولية.
لهذا يبقى الطريق الممكن هو هدنة إنسانية بضمانات دولية صارمة، يعقبها حوار سوداني سوداني لا يستثني إلا من أجرم في حق الشعب، ثم فترة انتقالية قصيرة بقيادة مدنية تفضي إلى انتخابات حرة. كما أن الرهان على أن إزاحة البرهان وحدها ستنهي الحـ.ـرب يظل رهاناً ساذجاً، لأن البنية المنتجة للأزمة ما زالت قائمة من اقتصاد عسكري وتعدد جيوش وتسييس للقبيلة وتدويل للصـ.ـراع، ولا يمكن تجاوز ذلك إلا عبر إصلاح أمني يوحد الجيش وينهي المليشيات، وإخراج الجيش من الاقتصاد، وعدالة انتقالية تحاسب الجميع دون انتقائية.
وفي المحصلة، فإن النافذة الدولية المفتوحة أمام حمدوك لن تتحول إلى سلام حقيقي ما لم يحول الشرعية الدولية إلى شرعية داخلية تنتزع من أم درمان والفاشر وود مدني لا من قاعات نيويورك، وما لم تلتقي هذه الشرعية مع رؤية وطنية جامعة كالتي يطرحها البعث ببناء الجبهة الشعبية العريضة، فالتاريخ السوداني لا يرحم من يأتي محمولاً على الخارج بلا جذور في الداخل، ولا من يحتمي بالبــندقية بلا مشروع سياسي. ويبقى السؤال معلقاً، هل يبني السودانيون سلامهم بأيديهم متعلمين من مقبرة المبادرات الفاشلة، أم يتركون مصيرهم رهينة لحسابات واشنطن وبورتسودان وأبوظبي والقاهرة؟

Leave a Reply