بقلم : علي الدوش
تفيد بعض سرديات التاريخ لمنحنى النيل
أنه قبل 5000 عام قبل الميلاد، كانت منطقة المنحنى صحراوية رعوية يعتمد سكانها على الزراعة والصيد إلى قيام مملكة كرمة في الفترة مابين (2500….1500 ق م) وظلت كرمة هي المملكة السودانية إلى قيام مملكة نبتة الكوشية في الفترة (900 ق م…..350م) وكانت تمثل الفترة الذهبية لمنحنى النيل حيث امتد حكم بعانخي وترهاقا جغرافيا ليشمل مصر ووصل حتى فلسطين.
وانتقلت حياة الناس في هذه الفترة من الرعي والصيد إلى الزراعة ونشطت زراعة المحاصيل وبعض أنواع البساتين كالنخيل والموالح وووالخ ج
ثم جاءت فترة الاستعمار حيث اتسعت مساحات الزراعة بفضل التطور في نوع الري الذي انتقل من السواقي التي تقودها الأبقار بنظام توزيعي مميز عرفت أسقفه الزمنية
(الفجراوي والضُهراوي والعٍشاوي) كنظام متبع لتوزيع حصص الري بين المزارعبن فانتقل نظام الري
إلى الري عبر طلمبات الديزل لزيادة الرقعة الزراعية والتنوع في إنتاج المحاصيل وبعض منتوجات البستنة
ومن ضمن البستنة نشطت زراعة التمور وتعدد أنواعها وصارت أشجار النخيل تغزوا المساحات شيئًا فشيئًا إلى أن كادت تغطي جغرافية المنحنى بكاملها لجدواها الاقتصادية وسهولة استزراعها وقلة تكاليفها
فأصبح دأب مجتمع المنحنى الاهتمام بالنخيل والضغط بأشجاره على المساحات المستهدفة لإنتاج المحاصيل الموسمية في عروتي الصيف والشتاء
ومع مرور الزمن أصبحت المساحات المغمورة بالنخيل تمثل إرث ومواريث مجتمع متناسل فوق رقعة جغرافية محدودة ليس لها امتدادات توازي الانتشار السكاني في منطقة منحنى النيل
مما قلل الاهتمام بشجرة النخيل التي أوصانا عليها رسولنا الكريم بقوله صلى الله عليه وسلم
أكرموا عمتكم النخلة فليس من الشجر ما يلقح غيرها
أو كما قال
وبما أن الرسول لاينطق عن الهوى فكأنه كان يعلم بما سيحيق بشجرة النخيل بعده
فإكرام النخلة يعني الاهتمام بها ونظافتها وأبعاد نفايات نظافتها من تحتها حفاظًا عليها من الآفات والكوارث التي تعلق بالنفايات كظاهرة الحريق التي تكررت وسط بساتين النخيل بفعل النفايات المتيبسة من جريد وحشائش طفيلية وغيرها
وبما أن مفردات الحياة مرتبطة ببعضها البعض فظاهرة التيبس في الزراعة لا تأتي إلا خلف حالات العطش المتكرر أو المستمر
وقد تقودنا هذه الجدلية لمعطيات الح.رب السالبة التي نعيشها واقعًا تسرمد في مفردات حياتنا اليومية والمجتمعية
فكان خروج محولات الإمداد الكهربائي بالسد هو المحور الذي دار عليه استهداف منحنى النيل كرقعة زراعية حلت محل مشروع الجزيرة في دعم الاقتصاد المقوم لدولة غذاء العالم
فالحرائق التي تكررت لايتحمل عبئها المزارع وحده فالأمر الواقع بسلتطه العاجزة يتحمل العبء الأكبر مع المزارع إزاء عجزه عن بناء دولة مؤسسات تأخذ في اعتبارها أن السودان بلد زراعي يمكنه أن يكتفي ذاتيًا ويغذي العالم
وحينما تموت أشجار النخيل محترقة تحترق معها القلوب والأفئدة في منحنى النيل ويموت أهل المنحنى واقفين طولًا كما أشجارهم
ولابد من الإشارة إلى أن قيمة سرب من المسيرات كفيلة ببناء منظومة دفاع مدني متطور يغطي جغرافية منحنى النيل ليدرأ عنها كوارث الحريق ويفسح المجال أمام إخضرار البساتين لتنطلق عطاءاتها خيرًا يعبئ أوصال الوطن تطورًا ونماءً.

Leave a Reply