يوسف الغوث
ليست أغنية (وين الملايين) مجرد عمل غنائي ارتبط بوجدان أجيال عربية، بل هي وثيقة فنية تختزن طاقة تعبوية هائلة، وتفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة الخطاب السياسي الموجه إلى الجماهير، وفي الطريقة التي تُوزّع بها المسؤولية بين الشعوب والسلطات.
منذ مطلعها، تضع الأغنية سؤالها الصادم في الواجهة: “وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟ الغضب العربي وين؟”. وهو سؤال يبدو في ظاهره موجّهًا إلى الشارع العربي، وكأن ملايين البشر غائبون عن المشهد، أو أن غضبهم قد اختفى في لحظة احتدام المأساة. لكن نفس السؤال، إذا أُعيدت قراءته من زاوية سياسية، فسوف يقودنا إلى سؤال آخر أكثر إلحاحًا يتمثل في: أين الجيوش؟ وأين القرار السياسي؟ وأين الإرادة الرسمية التي تمتلك الحدود والسلاح والموارد؟
إن الملايين لم تكن غائبة تمامًا؛ لقد كانت حاضرة في المظاهرات، وفي حملات التضامن، وفي التبرعات، وفي المواقف الشعبية التي عبّرت عن رفضها للاحتلال والعدوان. غير أن الخطاب التعبوي كثيرًا ما حمل الجماهير مسؤولية تتجاوز قدرتها، بينما ظل القرار الفعلي في يد أنظمة تمتلك أدوات القوة والحركة. وهنا تكمن المفارقات الأساسية في الأغنية؛ فهي تستنهض الجماهير، لكنها لا تطرح بالقدر نفسه السؤال عن أصحاب القرار الذين يملكون مفاتيح الحدود والجيوش.
أما في مقطع “الله معانا أقوى وأكبر من بني صهيون”، فنلاحظ أن الطاقة التعبوية تبلغ ذروتها؛ فالإيمان هنا يتحول إلى مصدر للصمود والأمل، وهو أمر مفهوم في سياق خطاب المقاومة. غير أن المعركة على الأرض لا تُحسم بالإيمان وحده؛ فهي تحتاج كذلك إلى تنظيم، وسلاح، وإمكانات، وقرار سياسي. وهنا تظهر المسافة بين الفرد والجماعة من جهة، وبين الدولة وأدواتها من جهة أخرى؛ فالفرد الذي لا يملك سوى صوته أو تضامنه لا يستطيع أن يتحمل وحده مسؤولية مواجهة آلة عسكرية تملكها دولة أو تحالف من عدة دول.
ومن هذه الزاوية، تصبح عبارة “وين الملايين” قابلة لقراءة مختلفة؛ ربما لا ينبغي أن يكون السؤال عن غياب الجماهير، بل عن غياب الفعل السياسي القادر على تحويل الغضب الشعبي إلى موقف مؤثر. وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نضع الأغنية في سياقها السياسي والإنتاجي؛ فقد ارتبطت الأغنية بالسياق الليبي في عهد معمر القذافي، كما ارتبط شاعرها علي الكيلاني بدائرة النظام الليبي. ومن هنا يمكن قراءة العمل، إلى جانب قيمته الفنية والتعبوية، بوصفه جزءًا من خطاب سياسي كان يرفع شعارات الثورة وسلطة الشعب، بينما كانت السلطة نفسها تمتلك أدوات الدولة ومؤسساتها.
إن هذه المفارقة تستحق التأمل، خاصة في ظل وجود سلطة تمتلك الجيش والحدود والقرار، ثم تسأل الجماهير بكل سذاجة: أين أنتم؟ إن تاريخ التجربة الليبية في التعامل مع القضية الفلسطينية يكشف جانبًا آخر من هذا التناقض؛ ففي عام 1995 اتخذ النظام الليبي إجراءات بحق فلسطينيين مقيمين في ليبيا، حيث رحّل آلاف منهم إلى الحدود المصرية في سياق اعتراض القذافي على مسار اتفاقات أوسلو، وهنا تحوّل الخطاب السياسي من مجرد شعارات إلى واقع دفع مدنيون ثمنه، بينما ظل السؤال عن الجيوش والقرار السياسي قائمًا.
أما موسيقيًا، فقد ساهم وجود الأصوات الشابة والتوزيع الأوركسترالي في صناعة حالة وجدانية قوية، جعلت الأغنية واحدة من الأعمال التي رسخت في الذاكرة العربية. لكن مع مرور الزمن، حدث تحول لافت في وظيفتها الرمزية؛ فما كان في لحظة ما صوتًا للاستنهاض والتعبئة، أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من طقوس الحنين والمرثية. عندما نسمع الأغنية، نتذكر فلسطين، ونشعر بالغضب، وتذرف الدموع، ثم ينتهي كل شيء! وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فالأغنية التي أُريد لها أن تكون وقودًا للفعل قد تتحول، مع الزمن، إلى وسيلة للتنفيس؛ تشعل المشاعر، لكنها لا تنتج بالضرورة فعلًا سياسيًا يغيّر الواقع.
ومع ذلك، فإن نقد الأغنية لا يعني إنكار قيمتها الفنية أو التاريخية، ولا ينتقص من مكانتها في الذاكرة العربية. بل على العكس، فإن قوة العمل تمكن في قدرته على إثارة سؤال ظل حيًا لعقود. لكن ربما آن الأوان لأن نعيد صياغة السؤال: بدلًا من “وين الملايين؟”، إلى “وين القرار؟!”. أين الإرادة السياسية التي تملك الجيوش والحدود والإمكانات؟ أين جامعة الدول العربية؟ أين القدرة على تحويل التضامن الشعبي من مشاعر عابرة إلى فعل سياسي منظم؟ وأين المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها من يمتلك القوة، بدلًا من تحميل الجماهير ما يتجاوز قدرتها؟
إن قضية فلسطين لم تكن يومًا قضية مشاعر فقط؛ فهي قضية أرض، وحقوق، واحتلال، وصراع سياسي طويل، وقد تعددت في تاريخها أشكال المقاومة والنضال والكفاح الشعبي. أما اختزال المسؤولية في سؤال الجماهير وحدها، فلا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء أصحاب القرار من المساءلة، أو تحميل الشعوب ما يفوق قدرتها على الفعل.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة “وين الملايين” بعد عقود لا تعني محاكمة الأغنية أو إنكار أثرها، وإنما تعني مساءلة الخطاب الذي حملته، والبحث عن الجهة التي ينبغي أن تُوجّه إليها الأسئلة. فربما لم يكن السؤال الأكثر إلحاحًا يوماً: أين الملايين؟ بل: أين الذين يملكون القرار؟ وأين الإرادة؟ وأين المسؤولية؟ وأين مجلس الأمن؟
ودمتم…

Leave a Reply