طارق عبد اللطيف ابوعكرمة
حين يضيق البحر، لا ترتبك السفن وحدها. ترتبك معها أسعار الطاقة، وكلفة النقل، وسلاسل الإمداد، ثم يصل الاضطراب في النهاية إلى ما يهم المواطن مباشرة: سعر الوقود والغذاء والسلع.
لهذا فإن هرمز وباب المندب وقناة السويس ليست مجرد أسماء على الخريطة. إنها نقاط اختناق في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيها يمكن أن يحول مشكلة أمنية بعيدة إلى فاتورة معيشية قريبة.
واللحظة الراهنة تكشف ذلك بوضوح. فحركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعت بشدة خلال الأيام الأخيرة، فيما انخفض العبور في باب المندب أيضاً وسط تصاعد التوتر في المنطقة. وهكذا أصبح السؤال البحري سؤالاً اقتصادياً بامتياز: كم تكلفنا المسافة الإضافية، ومخاطر الشحن، وارتفاع التأمين، وتغير مسارات الطاقة والتجار
الملاحة البحرية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل هي شرايين الحياة التي تنبض بالاقتصاد العالمي. وحين تُغلق هذه الشرايين، لا تتوقف البواخر فقط، بل تتوقف معها موائد الملايين. في عام 2026، ومع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، يجد المواطن العربي نفسه أمام حقيقة قاسية: المضايق ليست ممرات مائية بعيدة، بل هي حبل سُرّي يربط رغيف خبزه بحركة ناقلة نفط في مكان ما.
تقع في جوار الوطن العربي ثلاثة من أهم الاختناقات البحرية في التجارة والطاقة: مضيق هرمز بين إيران وعُمان، ومضيق باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، وقناة السويس في مصر. هذه المواقع تمنحها قوة استراتيجية هائلة، لكنها في الوقت نفسه تحوّلها إلى ساحة صراع دائم بين القوى الكبرى.
والحقيقة المرة أن هذا التنافس لا يخدم الإنسان العربي، بل يستنزفه. وأي اضطراب كبير في هرمز يمكن أن يضغط على أسعار النفط والتأمين والنقل، خصوصاً عندما يكون حجم الإمدادات المتأثرة كبيراً أو يستمر الاضطراب لفترة طويلة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة النقل والغذاء والدواء. والمواطن قد يدفع الثمن عبر أكثر من قناة: ارتفاع كلفة الوقود والنقل، وارتفاع أسعار بعض السلع، وزيادة كلفة التأمين والشحن، ثم الضغط الذي قد تفرضه الأزمات الممتدة على المالية العامة والخدمات.
وليس هرمز وحده تحت الضغط. ففي الطرف الآخر من المنطقة، يتزايد التوتر حول باب المندب، البوابة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وقد تراجع عدد السفن العابرة للمضيق خلال الأيام الأخيرة، بينما أدت التطورات العسكرية في اليمن إلى زيادة المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر. وهكذا يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام أكثر من نقطة اختناق في آن واحد: هرمز في الخليج، وباب المندب في البحر الأحمر، وقناة السويس في الطريق بين آسيا وأوروبا.
التقديرات الاقتصادية تكشف عن حجم الكارثة. وفي حال تعطل الملاحة في هرمز، لا تكون الخسارة محصورة في توقف بعض الشحنات؛ فالمنتجون يواجهون ارتفاعاً في كلفة النقل والتأمين، وتراجعاً في القدرة على تصدير جزء من الإمدادات، واضطراباً في الإيرادات والأسواق. وتوجد بالفعل مسارات بديلة عبر بعض خطوط الأنابيب، لكنها لا تستطيع استيعاب كامل التدفقات التي تمر بالمضيق. فالتأثير لا يتوقف عند حدود الدول المنتجة. فمصر، التي تُعد قناة السويس شرياناً حيوياً لاقتصادها، فقد سجلت قناة السويس، إيرادات قدرها 9.4 مليار دولار خلال العام المالي 2022/2023، بينما بلغ الإيراد السنوي للسنة الميلادية 2023 نحو 10.25 مليار دولار. ثم تراجعت الإيرادات في 2024 إلى نحو 3.99 مليار دولار مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
غالبًا ما تجمع الدول بين الإجراءات الأمنية والعسكرية وبين ترتيبات الملاحة، والتأمين، وتنويع طرق التصدير، وبناء خطوط وأنظمة نقل بديلة. الأمن البحري لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها؛ بل يبنى أيضاً بالبنية التحتية، وتنويع طرق التجارة والطاقة، والتعاون الإقليمي، ورفع كفاءة الموانئ والخدمات اللوجستية.
فالأقطار العربية تمتلك ثروات سيادية ضخمة، تُدار عبر صناديق استثمارية بمليارات الدولارات. وتمتلك بعض الأقطار العربية صناديق سيادية ضخمة، ويمكن أن يؤدي جزء من استثماراتها الخارجية وظيفة تنويع اقتصادي ومالي، لكن النقاش المهم هو مقدار ما يوجه من هذه الثروة أيضاً إلى بناء قدرات لوجستية وإنتاجية إقليمية تقلل هشاشة المنطقة أمام اضطراب الممرات البحرية.
فالمضايق ليست قدراً، يمكن تحويلها من نقاط ضعف إلى نقاط قوة، إذا تغير المنطق من التنافس إلى التكامل. فبدلاً من أن تتنافس الأقطار العربية على استقطاب الشحنات العابرة، يمكنها أن تبني منظومة لوجستية إقليمية موحدة، تستفيد من موقعها الجغرافي لتصبح مركزاً لصناعة النقل والتخزين وإعادة التصدير. هذا التحول يحتاج إلى إرادة سياسية، ورؤية اقتصادية، وقبل كل شيء، إدراك أن المواطن العربي ليس بنداً في ميزانية، بل هو الغاية من أي مشروع.
ما يجعل اللحظة الراهنة أكثر تعقيداً هو أن الضغط لا يتركز في مضيق واحد. فهرمز يقع في قلب حركة النفط والغاز من الخليج، بينما يمثل باب المندب حلقة أساسية في طريق البحر الأحمر وقناة السويس. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تعطل أحد المسارين يمكن أن يدفع إلى إعادة توجيه بعض التدفقات، لكن عندما تتعرض المسارات البديلة نفسها للضغط ترتفع كلفة النظام كله. وهنا تتحول الجغرافيا إلى اقتصاد: كل ميل إضافي في الرحلة، وكل يوم تأخير، وكل ارتفاع في التأمين والشحن، ينتقل في النهاية إلى سلسلة الأسعار
تكشف المضايق المائية حقيقة بسيطة: من يتحكم في الطريق، يتحكم في الثمن. والاقطار العربية التي تكتفي بمراقبة سفن الآخرين تمر، بينما مواطنوها يدفعون فاتورة الأمن المستورد، فالمضايق لا تمنح الدول قوتها بمجرد وجودها على الخريطة. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الجغرافيا إلى قدرة: موانئ أكثر كفاءة، طرق برية وسكك حديدية، خطوط أنابيب بديلة، مخزونات استراتيجية، وأسواق عربية أكثر ترابطاً. فمن يملك الموقع ولا يملك البدائل، يظل معرضاً للضغط. ومن يملك الموقع ويملك شبكة بدائل، يستطيع أن يحول الجغرافيا من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة اقتصادية.
وفي النهاية، لا تصل فاتورة اضطراب البحر إلى الموانئ فقط، إنها تصل إلى محطة الوقود، والشاحنة، والمصنع، والمتجر، ثم إلى مائدة المواطن العربي.

Leave a Reply