ين يتفوّق الخاص على العام: من يدير التعليم في السودان؟

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف ابوعكرمة

لم تكن نتيجة الشهادة السودانية لعام 2026 مجرد إعلان لأسماء الناجحين والمتفوقين، ولا مجرد مناسبة للفرح بما حققه أبناؤنا وبناتنا في ظروف الحرب والنزوح والانقطاع. فالنتائج، إلى جانب دلالتها التعليمية المباشرة، فتحت نافذة على سؤال أكبر يتعلق بمستقبل التعليم نفسه، من الذي يصنع التعليم السوداني اليوم؟ الدولة أم السوق؟

أظهرت النتائج المعلنة أن نسبة النجاح العامة بلغت 69.6%، فيما سجلت المدارس الخاصة 74.9% مقابل 68.5% للمدارس الحكومية، بفارق 6.4 نقاط مئوية لصالح المدارس الخاصة. هذه الأرقام لا تسمح وحدها بالقول إن التعليم الخاص أصبح أفضل من التعليم الحكومي، فالنتيجة النهائية لا تقيس جودة المدرسة وحدها، ولا تفصل أثر البيئة الاجتماعية والاقتصادية للطلاب، ولا حجم الموارد المتاحة، ولا استقرار المعلمين، ولا انتقاء بعض المؤسسات لطلابها، ولا أثر الحرب والنزوح على المدارس الحكومية. لكنها، في المقابل، تسمح بطرح سؤال لا يجوز تأجيله: لماذا وصل التعليم الخاص إلى هذه المسافة من التعليم الحكومي، ولماذا تركت الدولة جزءاً من وظيفتها التعليمية للسوق؟ وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

فالتفوق في نسبة النجاح لا يعني بالضرورة التفوق في جودة التعليم بكل أبعادها، كما أن الفارق بين القطاعين قد يتأثر بخصائص الطلاب والأسر والموارد والبيئة التعليمية، وليس بنوع ملكية المدرسة وحده. ولذلك فإن السؤال هنا ليس: هل أثبتت النتيجة أن الخاص أفضل؟ وإنما: ماذا تكشف هذه النتيجة عن قدرة الدولة على ضمان تعليم عام ذي جودة متقاربة ومتكافئة؟

أولاً: حين يتفوّق الخاص على العام: من يدير التعليم في السودان؟

حين تتقدم نسبة النجاح في المدارس الخاصة على المدارس الحكومية، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: لماذا نجح الخاص؟ بل: ماذا تقول هذه المسافة عن الدولة نفسها؟ فالقطاع الخاص قد ينجح لأنه أكثر مرونة في الإدارة، أو أفضل في استقطاب المعلمين، أو أكثر قدرة على توفير الموارد والتكنولوجيا، أو لأنه يعمل مع طلاب تتوافر لهم ظروف اجتماعية واقتصادية أكثر استقراراً. لكن كل ذلك لا يلغي السؤال السياسي والاجتماعي الأهم: هل تقبل الدولة أن تصبح جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة على دفع الرسوم؟

إن تفوق الخاص في مؤشر من مؤشرات النتائج لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة للقطاع الخاص، بل إلى مساءلة للدولة. فالخاص ليس المشكلة حين ينجح، المشكلة تبدأ حين يصبح نجاحه بديلاً عن نجاح التعليم العام، وحين تتحول المدرسة الحكومية تدريجياً من حق عام إلى خيار اضطراري لمن لا يستطيع تحمل كلفة التعليم الخاص. عندها لا يعود السؤال: من يملك المدرسة؟ بل: من يدير مستقبل المجتمع؟

فالتعليم ليس سلعة عادية، لأن له أثراً عاماً يتجاوز الطالب والأسرة إلى المجتمع كله. ولهذا يمكن أن تكون الخدمة التعليمية قابلة للاستثمار، دون أن تصبح الحق في التعليم خاضعاً لمنطق القدرة الشرائية وحده. كما يمكن للدولة أن تسمح للقطاع الخاص بالعمل في الصناعة والتجارة والخدمات، وأن تستفيد من رأس المال الخاص والخبرة والمبادرة والمنافسة، لكن التعليم يختلف في طبيعته.

فالمدرسة لا تقدم خدمة تنتهي آثارها بانتهاء العام الدراسي، إنها تسهم في بناء الإنسان الذي سيصنع المجتمع والدولة والاقتصاد في المستقبل. ولهذا فإن التعليم ليس مجرد خدمة تشتريها الأسرة لمن يستطيع دفع ثمنها، وإنما هو حق عام، وأداة لإعادة إنتاج المجتمع على أساس المعرفة والكفاءة وتكافؤ الفرص.

وعندما يصبح الفرق في جودة التعليم مرتبطاً بقدرة الأسرة على دفع الرسوم، فإن المجتمع لا يعود يقسم نفسه وفق الدخل فقط، بل يبدأ في تقسيم فرص المستقبل نفسها وفق القدرة على الدفع. وهنا يتحول السؤال من: أي مدرسة أفضل؟. إلى: أي مجتمع نريد أن نصنع؟

ثانياً: لا مشكلة في وجود القطاع الخاص، المشكلة في غياب الدولة:

ليس المقصود من الدفاع عن التعليم الحكومي إلغاء التعليم الخاص. فالقطاع الخاص يمكن أن يكون شريكاً مهماً للدولة، ويمكن أن يقدم نماذج ناجحة في الإدارة والانضباط واستخدام التكنولوجيا وتطوير البيئة التعليمية واستقطاب المعلمين. لكن الشراكة شيء، وانسحاب الدولة شيء آخر. غير أن الدفاع عن الدور العام للدولة لا يعني افتراض أن الإدارة الحكومية ناجحة بحكم طبيعتها. فقد يعاني التعليم العام نفسه من البيروقراطية وضعف المساءلة وسوء توزيع الموارد وضعف الحوافز، وهي مشكلات لا تعالجها زيادة الإنفاق وحدها. ولذلك فإن استعادة دور الدولة يجب أن تعني أيضاً إصلاح الدولة نفسها: تحسين الإدارة، وربط التمويل بالنتائج، وتقييم المدارس والمعلمين، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

فالدولة التي تضع المعايير، وتراقب الجودة، وتحدد المناهج، وتضمن تكافؤ الفرص، وتستثمر في المعلم والمدرسة، تستطيع أن تجعل من القطاع الخاص إضافة إلى النظام التعليمي. ولا يكفي أن تضمن الدولة حق الطفل في دخول المدرسة، فالعدالة التعليمية لا تتحقق بمجرد فتح باب المدرسة، وإنما تتطلب أيضاً ضمان حد أدنى وطني من جودة التعليم، بحيث لا يصبح عنوان المدرسة أو دخل الأسرة المحدد الرئيسي لما يتلقاه الطالب من معرفة ومهارات. فتكافؤ الفرص يبدأ من إتاحة التعليم، لكنه لا يكتمل إلا بتقارب حقيقي في جودة ما يُتاح للطلاب. أما الدولة التي تضعف مدارسها الحكومية، ثم تترك الأسر القادرة على الانتقال إلى المدارس الخاصة، فإنها لا تدير قطاعاً تعليمياً متكاملاً، وإنما تسمح للسوق بأن يملأ الفراغ الذي تركته. وهنا لا يكون السوق هو المشكلة. المشكلة هي الفراغ.

ثالثاً: ماذا تقول نتيجة 2026؟:

إن الفارق بين 74.9% للمدارس الخاصة و68.5% للحكومية ليس رقماً ينبغي تجاهله، لكنه أيضاً ليس حكماً نهائياً على جودة القطاعين. والأهم من النسبة نفسها هو أن نسأل عن العوامل التي صنعتها. هل يعود الفارق إلى استقرار المدارس والمعلمين، أو انخفاض كثافة الفصول، أو وفرة الموارد والتكنولوجيا، أو مرونة الإدارة؟ وهل يرتبط جزء منه أيضاً بخصائص الطلاب والأسر التي تلتحق بالمدارس الخاصة؟ هذه الأسئلة أهم من مجرد إعلان أن الخاص (هزم) الحكومي. لأن الإدارة العلمية والتخطيط الرشيد لا يكتفيان بالنتيجة، بل يبحثان عن أسبابها، ويفصلان بين الارتباط والسببية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.