كنا نرى الرماد… ولم نكن نعرف حجم الحريق

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

ثمة أناسٌ يمشون بيننا، يضحكون في المجالس ويردّون السلام، بينما يصعدون ليلًا، وحدهم، إلى نجمةٍ مجهولة، يسألونها: “هل ثمة معنى يمكن أن ينجو من هذا العالم؟”

لا يرحلون دفعةً واحدة، بل تموت فيهم، كل يوم، أشياء لا يراها أحد.

يرحل الذي يحلم، ويبقى الذي يراقب الرماد.

يموت من ظنّ أن الكلمة تحمي، وأن الجمال لا يُخذل، وأن الإنسان لا يُولد عبثًا، ويبقى من رأى الحقيقة ممزقةً على أرصفة الواقع، داميةً كشهيدٍ بلا قضية، ومكبّلةً بأسئلةٍ لا يجيب عنها سوى الصمت.

قد يسجد أحدهم ذات ليلٍ فلا يقوى على النهوض، لا لأن التعب أنهكه، بل لأن السجود بدا أقرب إلى وجهه الحقيقي من كل الوقوف الذي عاشه.

تنضب الدهشة، ويتسرّب المعنى من بين أصابعه، حتى يغدو وجهه في الماء غريبًا عنه، وفي المرآة سجينًا يتوسل عفوًا من حياةٍ لا تعفو.

هؤلاء حاولوا أن يكونوا قبسًا من نور الله، في زمنٍ عبد فيه الناس الظلّ ونسوا النور.

ثم لم تبقَ لهم لغةٌ ولا تأويل، بل غربةٌ تسير على قدمين، وأرواحٌ أحرقت رسائلها الأخيرة واختبأت في صمتها.

ومع ذلك، ربما كان كل موتٍ صغير نافذةً لميلادٍ أكبر.

فاكتبوا على شاهد غيابهم: “هنا أناسٌ ذابت فيهم الفكرة حتى تلاشت ملامحهم، وظلّوا يبحثون عن الله في متاهة السؤال.”

كنا نعلم أنهم مختلفون… ولكننا لم نكن نعرف كم كانوا يتألمون.

#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_الليثي #خواطر_وفلسفة #أدب_ونصوص #الذاكرة_والوجدان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.