فن القعدة وبيت العزابة

صحيفة الهدف

عبدالله رزق أبوسيمازة

تعتبر أغاني القعدات، التي تنتمي لحياة موغلة في السرية، أكثر تميزاً من غيرها من الأغنيات، لما لها من تطريب، وتلتقي مع أغاني البنات في النزوع الجريء للإفلات من الرقيب، أي رقيب، وترتقي لمستوى التمرد على سلطة المجتمع. وتناسب ممارسة هذا الفن بيوت العزابة أكثر من أي مكان آخر.

ولأن الغناء «فن أنثوي»، وفق ما أورده الاستاذ عبدالمنعم عثمان إدريس في كتابه «مرت الأيام»، فإن الاقتراب منه من قبل الذكور غير مقبول، لا يتم إلا خلسة. تعتبر بيوت العزابة البيئة المواتية، ولربما ساهمت في تطور هذا التقليد الفني وحفظه وتداوله بين الأجيال.

في بعض الأزمان، كانت القعدات تشكل نوعاً من التمويه أو ساتراً اتقاء الرقيب السياسي.

وقد عبر خليل فرح عن هذا الحذر والهواجس التي تكتنف مجتمعات القعدات بقوله:

يا جميل يا نور الشقايق

املا كاسك واصبر دقائق

مجلسك مفهوم شوفو رايق

عقده ناقص زول ولا تام…

لعل تلك الإفادة من الخليل هي أول توثيق لهذا المنعطف الفني.

وقد عرفت البيوت التي آوت قعدات منتظمة لمثقفين، منذ منتصف أربعينات القرن الماضي، مثل بيت فوز الذي كان يرتاده خليل فرح وآخرون من أعضاء الجمعيات الأدبية أو السياسية السرية، بالصالونات. وهي فترة حظيت بتوثيق الأستاذ حسن نجيلة في كتابه «ملامح من المجتمع السوداني».

وتحدث الأستاذ محمد صالح يعقوب، من جانبه، عن نساء في صالونات الأدب في كتاب حمل العنوان نفسه، استضفن أدباء وساسة وفنانين. لا ينفصل غناء القعدات، الذي تكوّن في تلك البيئة الاجتماعية والسياسية، عن بيوت العزابة. يمكن وصف بيت العزابة، بما يضمه من فسيفساء متعلمين وما يعتمل فيه من تفاعلات ثقافية، بأنه ورشة للأدب والفن والسياسة. وهو أبرز معالم الحي، أي حي، بعد الجامع ودكان عمك علي اليماني. ويثير تذكره مشاعر شتى؛ فكثيراً ما وجد ناشئة الشعراء والمغنين، الذين أضاءوا عتمة أماسِي بيت العزابة بالأشعار والأغاني التي تتخلل المناقشات السياسية وغير السياسية، التشجيع من هذه التجمعات للانطلاق في درب الإبداع.

يمكن التأريخ لبيوت العزابة كظاهرة مدينية خاصة -مدن العاصمة الثلاث- ببداية تبلور شريحة الأفندية ودخول العود في الحياة الفنية، “العود معاه كمان” أحياناً. لكن ذلك لا يمنع احتمال إحياء قعدات غنائية بعلبة الكبريت والنقر الإيقاعي على الترابيزة.

وقد رصد الصحفي المصري يوسف الشريف هذه الظاهرة السياسية – الثقافية – الاجتماعية في كتابه «السودان والسودانيون، أسرار السياسة والمجتمع»، وكذلك فعل محمد سيد أحمد في مذكراته.

#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالله_رزق #بيوت_العزابة #فن_القعدة #التراث_السوداني #الثقافة_السودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.