د. الشيخ فرح
عبد الرؤوف بشعره الكثيف، وعينيه الواسعتين، ووجهه الكبير، وجسمه المائل للاستدارة، لا يترك لك مجالاً لمعرفة أين ينتهي صدره وأين تبدأ حدود بطنه، ولا أن تفرّق بين بطنه وحوضه لأن أجزاء جسده متداخلة كأنها دائرة كاملة رُسِمت بإحكامٍ ببرجلٍ حاد الأطراف؛ هكذا هو مقبلاً كان أو مدبراً.
يتجوّل عبدالرؤوف بين بائعات الفطور متسلحاً بعطاءِ والده الغنيّ الذي يدفع دون حِساب على أسرته، ليغطي غِيابه المُتكرر بحكم سفره للتجارةِ بين المدن.
يحملُ عبدالرؤوف ساندوتشاً بكل يدٍ، ويحملُ بين كفيه المقبوضين بإحكام على (كُورَة) سلطة روب، ويلوك فمه ما قطمه من ساندوتشاته دون توقفٍ، كأنما يجتر ما أكله طوال اليوم.
ينامُ في الحصة الثالثة مهما كانت أهميتها، ويُعاقَب من آنٍ لآخر بالطردِ من الحصة حين يعلو شخيره أثناء الحصة.
لكن عبدالرؤوف ليس دائماً هكذا؛ فما أن تظهر الإمتحانات في الأفق حتى يبدأ في الركض بين الزملاء فتراه كالصحفي الذي يلهثُ خلف الأخبار. يكتبُ هنا ويستمعُ هناك معانداً نظرية (عَلُوق الشَّد)، ولكن هيهات.
تأتي النتائج فيظهر ترتيبه، فيأتي متلصصاً إلى البيت وهو يحملُ شهادته وراء ظَهرِه.
-
جيت الكم؟ تخاطبه أمه وهي تعلم سلفاً خيبات ابنها.
فيردُ بصوتٍ متحشرجٍ:
-
ما بطال.
تقول الأم وهي تعضُ على شفتيها:
-
لو ركّزت على الدراسة مثل تركيزك في الأكل لكنت في الخمسة الأوائل.
يرد وهو ينظر للأرض:
-
المرة الجاية.
كانت أمه هي من يلومه أولاً وأخيراً، وهو يعرف أنها محطته الأولى والأخيرة في محاسبة عامٍ دراسي لم يبذل فيه أي مجهودٍ سوى عدم غيابه عن المدرسة لكي لا يفوّت وجبة الفطور، أما الأب فيأتي بعد أن تكون الإجازة قد انتصفت وذهب معها وهج النتائج ونسي الناس أفراحها وخيباتها، فتسقطُ المصائب دون عقابٍ بالتقادم كما يقول القانونيون.
لكن في آخر مرةٍ أتى والده من سفرهِ البعيد قبل توزيع النتائج، ولامته الأم على عدم اهتمامه بابنه ونتائج تحصيله الدراسي.
وضع الأب كرسيه تحت شجرة النيم يبرمُ شاربيه منتظراً ابنه كما ينتظر الأسدُ الفريسة.
ظهر عبدالرؤوف في أول الشارع وهو يركضُ حتى وصل إلى الشجرةِ وهو يلهثُ بصوتٍ مسموعٍ.
بادره الأب قائلاً وهو ينظر إلى حبات العرق تسيلُ من جانبي وجهه:
-
ليه اتأخرت؟
أجاب عبدالرؤوف وهو يبتسم:
-
كُنّا بنسيير الطيش.
لم يفهم الأب فتساءل مستفسراً:
-
إيه يعني تسيروه؟
قال عبدالرؤوف وهو يبتسم:
-
نجري وراه ونقول “الطيش الطيش عندالله بعيش”، حتى نُدخِله بيته، ثم نرجع.
هزّ الأب رأسه مُتعجِباً:
-
طيب، وإنت جيت الكم؟
مدّ عبدالرؤوف صدره للأمام:
-
جيت التسعة وأربعين.
نظر الأب إلى وجه عبدالرؤوف وقال:
-
طيب والفصل فيهو كم طالب؟
أجاب عبدالرؤوف وما تزال البسمة في وجهه:
-
فيهو خمسين طالب.
#ملف_الهدف_الثقافي #الشيخ_فرح #قصة_قصيرة #أدب_سوداني #السودان

Leave a Reply